8 ماي 1945: الذكرى السبعون للانتصار على النازية والمجازر التي ارتكبتها الإمبريالية الفرنسية في الجزائر

الأربعاء 17 حزيران (يونيو) 2015

الحزب الجزائري من أجل الديمقراطية والاشتراكية

لقد مرت سبعون عاما بعد هزيمة النظام النازي تحت الضربات القوية و الحاسمة للجيش الأحمر السوفيتي. إن هذا النظام الكريه و المسؤول عن اندلاع الحرب العالمية الثانية قد تسبب في سقوط 50 مليون قتيل.

لقد كان النظام النازي ينفذ مشيئة الاحتكارات الرأسمالية الألمانية، ويجسد دكتاتورية مكشوفة لرأس المال. وأمام عجزها على الحفاظ على سيطرتها الطبقية من خلال القنوات الديمقراطية الشكلية وبرلمانها البرجوازي في مواجهة حركة عمالية قوية وأزمة اقتصادية حادة مهددة لمصالحها ولسلطتها، اختارت البرجوازية الألمانية استعمال القوة الغاشمة بتوفير الأجهزة القمعية، حيث لم تتردد في ارتكاب جرائم جماعية لتحقيق استقرار هيمنتها الاقتصادية. لقد كلّفت المجموعات الإرهابية النازية بأن تسحق جسديا كافة القوى المتمردة المضادة لسلطة البرجوازية الاحتكارية، وفي مقدمة هذه القوى، الحركة العمالية وحزبها ومنظماتها النقابية الطبقية التي تشكل القوة الرئيسية لمقاومة المخططات المعادية للعمال والمعادية للشعوب. إن إبعاد طيف الثورة الاشتراكية، والتغلب على الأزمة الرأسمالية الواقعة على كاهل العمال، وإعداد حرب جديدة لتدمير النظام الاشتراكي القائم في الاتحاد السوفيتي لأول مرة في تاريخ البشرية في أكتوبر1917، والتهجم على مستعمرات البلدان الإمبريالية المتنافسة، والشروع في إعادة تقسيم العالم لصالح الاحتكارات الرأسمالية الألمانية الكبيرة، تلك كانت الأهداف المسطرة. لقد كان للنازيين دور استخدام وظيفة الدولة البرجوازية كآلة قمعية وحربية- تماما ودون قناع- ضد الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الكادحة.

لقد سهلت سياسة قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني وصول هتلر إلى السلطة، وذالك بمشاركتها من 1918 إلى 1932 في القمع العنيف للحركة العمالية والشيوعية، وبرفضها اقتراح الحزب الشيوعي الألماني للمواجهة الموحدة ضد هيندنبورخ (Hindenburg) لسد الطريق أمام النازيين. ومن خلال موقفها وعلى وجه الخصوص باتباع سياسة ليون بلوم، رئيس الحكومة الاشتراكية الفرنسية، الذي رفض التدخل في إسبانيا، تكون الاشتراكية- الديمقراطية الدولية قد عززت القوات الفاشية. واليوم لا تزال الاشتراكية- الديمقراطية الفرنسية تواصل هذا النهج تحت إشراف فرانسوا هولاند، حيث تواصل حاليا نفس المواقف في السعي للإطاحة بالنظام السوري، بالتحالف- لهذا الغرض- مع الملكيات الرجعية العربية السعودية والخليجية، وبدعمها للقوى الظلامية.

إن مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الثانية لا تتمثل فقط في النازية الألمانية، بل أضحت هذه الحرب حتمية، بسبب المناورات والحسابات الطبقية للقوى الامبريالية الأخرى، على غرار فرنسا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية المدعَّمة بأتباعها في أوروبا وبحلفائها البولونيين بصفة خاصة. لقد خلقت هذه القوى الظروف لصراع جديد في العالم بعد أقل من 25 سنة على بداية الحرب العالمية الأولى، وذلك من خلال سياستها المتمثلة في نهب واختلاس ألمانيا التي كانت قد خضعت لشروط مهينة في معاهدة فرساي. لقد شجعت هذه القوى- بقبولها هذه الشروط- في ألمانيا على ظهور الجماعات الفاشية. وفوق كل هذا، فقد تسارع، بشكل مقصود، تراكم علامات حرب جديدة من خلال رفض منهجي لندءات الاتحاد السوفياتي لمواجهة الخطط العدوانية للنظام النازي، في حين شجبت هذه القوى- لفظيا- مخططات النظام الهتلري، ولكنها حاولت فعلا دفع هذا النظام للهجوم على الاتحاد السوفياتي، مهد أول ثورة اشتراكية مظفرة في العالم وأمل الشعوب في عالم جديد خال من الاستغلال الطبقي وهيمنة أمة على أمة أخرى. إن هذه الدول تعتقد أنها يمكن أن تكسب على جميع الجبهات: هربا من ضربات النازيين عن طريق دعمهم وتركيز نيرانهم على الاتحاد السوفياتي لتدمير نظامه الاشتراكي، ومن ثم جني ثمار الإنهاك المتبادل لألمانيا والاتحاد السوفييتي معا في كارثة نزاع عسكري، وجني تقاسم ثروات أوروبا كلها. ومن خلال موقف هذه الدول الأساسي المناهض للشيوعية وللسوفييت، لم تشجع سوى النازيين على إغراق العالم في حرب جديدة.

وتحت القيادة الحازمة للحزب الشيوعي السوفياتي، وقائده الملهم جوزيف ستالين ، كان الاتحاد السوفياتي المفتاح الرئيسي لمعركة جبارة على الصعيد العالمي، بتدمير النظام الفاشي في ألمانيا وإيطاليا واليابان، ومن أجل الانتصار المكرس في 8 ماي 1945بالاستسلام غير المشروط للقوات الألمانية. وقد أخفقت ألمانيا النازية على الجبهة الشرقية، وضيعت 80% من فرقها تعد من أفضل قواتها الأكثر تدريبا وخبرة، في معركة موسكو وستالينغراد ولينينغراد، ومعركة الدبابات بكورسك، وقد حُسِمت نتيجة الحرب في هذه الجبهة بتضحية أكثر من 26 مليون سوفييتي ثمنا لهذا الانتصار. لكن الفوز على النازية تأخر بسبب الحسابات الطبقية المكيافيلية للإمبريالية الأمريكية التي كانت تنتظر الوقت المناسب لمشاركتها في مسرح العمليات العسكرية في أوروبا بغرض وحيد هو تحقيق أهدافها الإمبريالية الخاصة. وأدى هذا التأخير إلى عواقب إنسانية ومعاناة لا توصف كان يمكن تجنبها. لقد اعتقدت الإمبريالية الأمريكية أنه يمكن الاستفادة من إضعاف الاتحاد السوفييتي تحت ضربات ألمانيا، وبالمقابل إضعاف ألمانيا تحت نيران الرد السوفياتي. وإلى جانب تدمير الاتحاد السوفييتي، الهدف المشترك لجميع القوى الامبريالية، كان هدف الإمبريالية الأمريكية إضعاف وزن منافسيها الفرنسيين والإنجليز، ووضع أوروبا وثرواتها تحت تصرفها وقيادتها، والقضاء على القوى الديمقراطية والعمالية في هذه القارة وفي كافة كوكب الأرض. وهكذا تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية إطالة أمد الحرب ونتائجها البشرية والمادية. لقد كان الشعب السوفياتي هو الذي دفع الثمن الأكبر في النضال ضد الفاشية وتحرير الشعوب الأوروبية. فعلى جميع الجبهات، حيث تشارك قواتها، لم تتكبد الولايات المتحدة سوى 5 في % فقط من الخسائر التي منيت بها شعوب الاتحاد السوفياتي. ولا تنسى الشعوب والقوى الأكثر تفانيا وصدقا أبدا، الثمن الذي بذله الاتحاد السوفييتي لتخليص العالم من الوحش الفاشي الدنيء. وإنه لمن واجب هذه القوى الآن أن تدحض المؤسسات الفاشية لتزوير التاريخ، والاستخفاف بدور الاتحاد السوفياتي قبل وأثناء وبعد الحرب العالمية الثانية والافتراءات والتجاهلات المقصودة للدعاية البرجوازية.

لقد تم الانتصار على الفاشية أيضا بفضل النضال المسلح المقاوم في الأراضي التي احتلها النازيون، فهذا النضال قد دعم عمل الجيش الأحمر وروج لدخول القوات الأمريكية الحرب بعد أربع سنوات من قيامها. وفي كل مكان حيث أدت مكافحة الفاشيين إلى حمل السلاح ضد المحتلين، لعب الشيوعيون دورا قياديا في هذه الحرب. وهذا الدور، يمكن أن يتحملوه من خلال قدراتهم التنظيمية، وعزمهم السياسي والإيديولوجي الهادف إلى تدمير النازية، ورفضهم القاطع لأية محاولة للوفاق والتعاون مع العدو المحتل. إن حزم الاتحاد السوفياتي في إدارة الحرب ضد الفاشية، وعزمه ليس فقط على طردها من أراضيه، بل الاستمرار في مطاردة النازيين في عقر دارهم بآلاف الكيلومترات، حتى إلى مخبأ هتلر. إن هذا الحزم قد أبطل كافة المحاولات المعادية للسوفييت والهادفة إلى السلم المنفصل، من قبل بعض الأقسام النازية أو بين الحلفاء أنفسهم.

لقد كان بسط راية الانتصار الحمراء قي مايو 1945 في مقر الرايخستاغ الألماني رمزا لكل شعوب العالم على الدور الحاسم الذي لا ينكر لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في النضال حتى الموت ضد النازية.
هذا هو الاتحاد السوفياتي الذي قد يؤول التاريخ دوره بفعل الأسباب التالية:

  • لقد جرى هذا الدور تحت قيادة الحزب الشيوعي البلشفي، الذي كان أكثر تصميما على مواصلة طريق النضال من أجل إسقاط النظام الذي يجسد مشيئة الرجعية البرجوازية بالقضاء على النظام الاشتراكي الذي انبثق عن ثورة أكتوبر العظمى سنة 1917.
  • إن الشعوب الموحدة تحت راية الاتحاد السوفياتي، الاتحاد الأخوي القائم على أساس المساواة في الحقوق والمدعم بأفكار الأممية البروليتارية التي عرفها العمال بواسطة البلاشفة، إن هذه الشعوب التي تحررت من الاضطهاد القومي التي عانت منه في ظل الإمبراطورية القيصرية السابقة، كانت تدافع بوعي حتى الموت عن نتائج وثمار الثورة والبناء الاشتراكي والمتمثلة في القضاء على بقايا الامتيازات الإقطاعية وإلغاء الاستغلال الرأسمالي والتوزيع العادل للثروات المنتجة والتصنيع الرامي إلى تحقيق المصالح العامة للشعب وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين والعمل الجماعي والتحديث ومكننة الأراضي التي حررت الفلاحة من نير العمل الفردي المبعثر، وتحرير المرأة، والتعليم العام والمجاني المعمم والاعتراف باللغات الخاصة بكل شعب، وترقية لغات القوميات المختلفة، وانتهاج سياسة لصالح التطور والتنمية لكافة شعوب الاتحاد السوفياتي، الخ.
  • نظام الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج والتخطيط الذي خلق إمكانية تنظيم الدفاع عن الاتحاد السوفياتي - وعلى وجه الخصوص نقل آلاف المصانع – خلال الحرب- إلى مناطق أكثر أمنا بهدف حمايتها من القوات الألمانية المهاجمة، وإعادة تنظيم الاقتصاد على النحو الذي يتماشى مع أهداف الحرب الوطنية العظمى، وإعادة تحويل الأنشطة الإنتاجية بقدر ما تتحرر الأراضي من الإحتلال. وقد أتاح كل هذا للاتحاد السوفياتي أن يصدّ جحافل النازية الإجرامية بعيدا عن حدوده، في حين كانت إمكاناتها الصناعية أقل مما كانت عليه في ألمانيا أو بريطانيا العظمى والولايات المتحدة.
  • لقد أظهر قادة الاتحاد السوفياتي لشعبهم أنهم كانوا أكثر تعلقا بالدفاع عن السلم، وأشد الناس عداوة للحرب وفقا لطبيعة النظام الاشتراكي نفسه، حيث لم يسع الاتحاد السوفييتي إلى كسب الأراضي، أو أية حسابات إمبريالية، بل أكثر من هذا اقترح قادة الاتحاد السوفياتي قبل الحرب على زعماء فرنسا وبريطانيا تشكيل تحالفات من شأنها أن تعزل النازيين وتفشل مخططاتهم الحربية، ولكن أمام رفضهم ومناوراتهم المعادية للسوفيات بغية توجيه هجمات هتلر ضدهم، أي ضد السوفيات، أبدى الاتحاد السوفياتي استعداده لتجنيب شعبه حربا جديدة من خلال التوقيع على معاهدة عدم اعتداء مع ألمانيا. وقد سمح هذا التوقيع للاتحاد السوفياتي كسب الوقت الثمين للتحضير لحرب لا مفر منها. وبعد عدوان 22 يونيو 1941، دافعت شعوب الاتحاد السوفياتي بكل ما تملك من روح ومعنوية عن دولتها، عن اتحاد أممي للعمال والفلاحين والمثقفين والسلميين الحقيقيين، وبينت أن كل المبادرات التي قامت بها هذه الدولة كانت من أجل تحاشي الحرب والمعاناة التي يمكن أن تصيب الشعب السوفياتي والشعوب الأخرى.

وبطرده لجحافل النازية خارج أراضيه، حرر الاتحاد السوفياتي شعوب أوروبا وكذا الشعب الألماني نفسه من الدكتاتورية الفاشية.

وفي الذكرى السبعين للانتصار على الفاشية احتفى الشيوعيون بتمجيد جميع أولئك الذين ساهموا في هزيمتها، وانحنوا إجلالا وإكبارا لذكرى جميع ضحايا هذا النظام الهمجي، وبادروا إلى التذكير بأن هذا الانتصار هو مدين لتضحية المناضلين الشيوعيين التي لا تعد ولا تحصى، ومدين لتأخر مخططات إعادة التقسيم وهيمنة الدول الامبريالية، وللدخول بشجاعة في معركة بالوعي بحماية الإنسانية، والدفاع عن مكاسب الاشتراكية، ومواصلة النضال لوضع حد للنظام الرأسمالي، الذي يولد حتميا الحروب والفاشية، وبالمطالبة بالمزيد من التضحيات. كما أشادت كل القوى التقدمية وجميع شعوب العالم التي، على الرغم من معاناتها التي لا تحصى، (احتلال البلاد وفرض قيود التغذية والقصف البربري لسكان المدن المدنيين من قبل الطيران الهتلري والإبادة الجماعية، الخ) قد تمكنت من توفير القوة لمقاومة النازيين. وكذا مجد الشيوعيون كل اللواتي وكل الذين ساهموا في صفوف الجيوش المتحالفة في الائتلاف المناهض للفاشية بتضحيات هائلة من أجل هزيمة جيوش المحور الفاشي (ألمانيا وإيطاليا واليابان).

وفي هذا الصدد - خلال الاحتفال بالذكرى السبعين- على جميع المواطنين المضللين بمحاولات تزوير أو إعادة كتابة التاريخ من قبل الرجعية البرجوازية وأتباعها، ينبغي أن يتذكر أن إقامة دكتاتورية فاشية قاسية أو شوفينية وعنصرية في ألمانيا، ولكن أيضا في إيطاليا، واليابان، ودول أخرى، و الميولات الفاشية في الولايات المتحدة، إن عليهم أن يتذكروا أن كل هذه و اندلاع الحرب العالمية الثانية، لم تكن ثمرة جنونية لعمل أو طموحات مرضية لشخصيات مجنونة أو مصابة بجنون العظمة، بل كانت نتاج تناقضات داخلية كامنة في الرأسمالية ذاتها.

لقد وصل هتلر وموسوليني إلى السلطة بفضل الأوليغارشيات الصناعية والمالية لكبح الأزمة الرأسمالية من جهة، ولإعادة الطبقة العاملة إلى الصواب بالعنف شديد القسوة من جهة أخرى، بغية الاستيلاء على الأراضي التي تعتبر “حيوية” لرأس المال كمصدر لا ينضب من المواد الخام ومن اليد العاملة منخفضة الثمن بواسطة استعبادها المباشر. لقد وصلت تناقضات النظام الرأسمالي منذ 2009 درجة من الحدة والاحتدام، من جهة، باتت تهدد مستقبل الإنسانية في مرحلة الإمبريالية. ومن جهة أخرى صارت الإمكانية النووية والتكنولوجية القادرة على تحويل الكوكب إلى رماد، مركزة في أيدي عدد قليل من الدول. ومن خلال جهودها الرامية إلى التغلب على أزمتها الحالية أضحت الدول الإمبريالية تقاتل بعضها بعضا من أجل إعادة التقسيم الخاص للعالم، أو مع بعضها البعض بهدف تحطيم المقاومة الشعبية والاحتفاظ باستمرار الطبقة العاملة تحت هيمنتها. وفي هذه الحالة، من الواضح أنها لا تتردد في الإطاحة بالقوة بالأنظمة التي ليست سهلة الانقياد لها بما يكفي، لتحريك الهجمات القاتلة ضد الشعوب المقاومة- بدون تردد- للفاشية والإرهاب في أشكاله الأكثر تنوعا، ولا سيما ذلك الذي كان مخفيا - ولا يزال- تحت ستار مضلل للإسلام.

إن الدعم الذي تقدمه الدول الإمبريالية في أوكرانيا ودول البلطيق للقوى التي تدعو صراحة إلى النزعة النازية، والى القوى الظلامية في البلدان العربية المتخفية وراء ستار الدين، وإلى الممالك الثيوقراطية والأوليغارشية في الخليج، كل هذا بين أن الدول الإمبريالية لا تتوقف عند أي حد في هذا السبيل.
إن البديل الوحيد لإفشال هذه الميول الخطيرة هو الجمع بين النضال من أجل السلم، والنضال من أجل توعية العدد الأكبر من العمال بالاتجاه القاتل الذي تنتهجه البرجوازية العالمية، لمنع استخدامها مناهج الدكتاتورية الفاشية.
وتكمن المهمة الموكولة للشيوعيين في تنسيق كل هذه النضالات بالصراع الإيديولوجي والسياسي لكي تشن الطبقة العاملة العالمية والشعوب هجومها الرامي إلى إلغاء الرأسمالية، مصدر الحروب المتواصلة، بغرض إقامة الاشتراكية التي سوف تزيل علاقات الإنتاج الاستغلالية التي تشكل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للحروب.

أما بالنسبة لمصير البلدان المستعمرة أثناء الحرب ضد الفاشية، فينبغي التذكير بأن الانتصار على الاعتداءات النازية في 8 مايو 1945، والابتهاج بتحرير الشعوب الأوروبية، لا تشجع، بالطبع، القوى الامبريالية على التخلي طواعية عن إمبراطوريتها الاستعمارية، بل بالعكس، بذلت هذه القوى كل ما في وسعها لإطلاق القمع الفظ للحد من صعود حركة التحرر الوطني في المستعمرات.
ففي الجزائر، على سبيل المثال، حولت الإمبريالية الفرنسية، في نفس يوم 8 مايو، فوهة سلاحها وكل ما لديها من قوة، برا وجوا وبحرا، ضد المتظاهرين الجزائريين الذين نزلوا إلى الشوارع في شرق البلاد، في سطيف وخراطة وقالمة للمطالبة سلميا، بإنهاء الحكم الاستعماري وبالاستقلال. والحقيقة أن هذه المذبحة قد انتشرت في مناطق أخرى عديدة من البلاد. ففي اقل من أسبوعين سقط، برصاص المستعمر حوالي 45 ألف قتيل وآلاف الجرحى والمعوقين وألقي بالآلاف من المتظاهرين في غياهب السجون وحكم بالموت على العشرات الآخرين الذين كان لديهم الحظ في أن ينجوا من الإعدام في مكان أسرهم. وتمثل هذه المجازر الإجرامية نفاق زعماء وإيديولوجي الإمبريالية، المتحكمين في فن توظيف العبارات الجميلة حول الدفاع عن الحرية والديمقراطية، ولكن بسرعة فائقة أطلقوا النار على المناضلين المناهضين للاستعمار الذين أرادوا تحويل هذه العبارات إلى واقع ملموس. وتشير هذه المجازر - بوضوح- إلى أولئك الذين يقدمون خطواتهم الأولى في النضال الطبقي، أن البرجوازية تدافع عن مصالحها الطبقية وليس عن حرية الشعوب. ولم تلوح البرجوازية براية الحرية، إلا عندما أصبح منافسوها يهددون مواقعها، أو عندما تسعى هي بدورها لتوسيع حقول سيطرتها على حساب منافسيها. والخلاصة أنها تستخدم هذه الراية من أجل تشويه وخنق الحركات الشعبية المناهضة للرأسمالية.

وسواء أكان هذا في الجزائر أو في سوريا أو في فيتنام، فإن البرجوازية الفرنسية أبت إلا أن تقمع الشعوب دون إبطاء للحفاظ على المستعمرات الواقعة تحت سيطرتها.
إن مظاهرات الجزائريين في ماي 1945كانت نتيجة لتطور بطيء للنضالات ضد الاستعمار. وقد بدا ذلك من خلال العمل السياسي للشيوعيين الذي تجسد في تأسيس منظمة نجم شمال أفريقيا في فرنسا.

وقد أعربت المظاهرات أيضا بأن حركة التحرر الوطني كانت على وشك أحداث نقلة نوعية بفضل التوازن الجديد للقوى الناشئة على الصعيد الدولي بواسطة الانتصار على النازية، وبفضل دور وقوة الاتحاد السوفييتي. ومن الواضح أن هذا التوازن الجديد للقوى يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام الاستعماري في إطار العمل المشترك للمعسكر الاشتراكي، وحركة التحرر الوطني والحركة العمالية الأممية.
وبهذا تجري إضافة استفحال التناقضات بين القوى الإمبريالية: بين الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا وفرنسا على الخصوص، في نضالها من أجل إعادة تقسيم العالم. لقد كانت تلاعبات الولايات المتحدة تسعى إلى إبعاد منافسيها الفرنسيين المقصيين، من شمال أفريقيا. وقد منح هذا السياق العالمي الجديد للحركة الوطنية زخما جديدا، فعشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، تصاعدت حركة التحرر الوطني في كل أنحاء الجزائر. وكان قد تم الاتفاق على شعار الاستقلال من جانب الغالبية العظمى من الجزائريين، على الرغم من تواصل القمع وحظر الأحزاب القومية والحزب الشيوعي، الذي أعلنت عنه الحكومة الفرنسية في عام 1939 بالتواطؤ مع الاشتراكيين الديمقراطيين، حلفاء البرجوازية الميتروبولية والاستعمارية.

لقد فاقمت الحرب وضعية الجماهير، في حين اغتنى المستوطنون الكبار الذين كانوا قد استولوا على أخصب وأفضل الأراضي المسقية، وكذا ملاك السفن والمصرفيون والممولون وكبار التجار، عن طريق المضاربة، وكانت الهيمنة السياسية المطلقة تحميهم جميعهم. ومن جهة أخرى تصاعد الاستياء في صفوف العمال والفلاحين الكادحين والفئات المتوسطة في المدن. ففضلا عن العنصرية والإهانة الخاصة بالنظام الاستعماري، تفاقمت معاناة الجماهير الجزائرية التي كانت تقاسي أكثر من غيرها من عواقب الحرب والجوع والحرمان ومصادرة الحبوب لتوريدها لصالح ألمانيا ومسلحي الحلفاء، في نفس الوقت كان قد تم تجنيد عشرات الآلاف من الجزائريين – عنوة- للمشاركة في تحرير فرنسا بعد نزول القوات الأمريكية بالجزائر في نوفمبر عام 1942.

وكان العمال والفلاحون الكادحون قد قدموا دماءهم في المعارك ضد الفاشيين، و كانوا ينتظرون بالمقابل من فرنسا المتحررة من النازية، أن تفي هذه الأخيرة بوعودها بإصلاح الوضع القائم، لكن هذا لم يحصل بتاتا.

ولم تكن الحركة الوطنية على استعداد لكي تنظم، بقوة، وعلى أسس صحيحة، عصيانا مسلحا ظافرا بعد، كما لم تصل إلى استنتاج مفاده أنها تعتمد بشكل أساسي على القدرات الداخلية للشعب الجزائري. فخلال الحرب، اعتقد البعض أن ألمانيا النازية ستطرد الاستعمار الفرنسي وتعطي الحرية للجزائريين، بل إنه بعد نزول القوات الأمريكية في الجزائر، علق الكثير من قادة الحركة الوطنية آمالهم على الإمبريالية الأمريكية. لقد كانوا مقتنعين بأن الولايات المتحدة سوف تهب لنجدة الشعب الجزائري بالضغط على الحكومة الفرنسية، ولكن معظمهم لم يفهموا، أن المصالح الاقتصادية الاستراتيجية للإمبريالية الأمريكية قد حالت بينها وبين الدخول في صراع مباشر مع الإمبريالية الفرنسية. وبدلا من ذلك، تهيأت الإمبريالية الأمريكية لفتح مواجهة مباشرة مع الاتحاد السوفياتي.
وهي، أي الإمبريالية الأمريكية، تحتاج، من أجل تحقيق هذا الهدف، إلى معونة الإمبريالية الفرنسية. وكان قادة الحركة الوطنية أيضا قد استخفوا بحيل البرجوازية الفرنسية والمعمرين الكبار، الذين كانوا موحدين في مواجهة الشعب الجزائري، وبالغياب التام لترددهم، واستعمال أشد القمع وأشنع الاستفزازات للإطاحة بقيادة الحركة الوطنية بالعنف الفظ، من أجل الحفاظ على كامل العلاقات الاستعمارية الاستغلالية، على الرغم من المناخ الدولي المناهض للفاشية.

وهكذا، أدى القمع الدموي للمظاهرات السلمية في 8 مايو 1945 إلى إدراك الشعب الجزائري لهذه الحقيقة. لقد قدم هذا القمع البرجوازي والاستعماري الدليل القاطع على أن التحرر والاستقلال لا يمكن أن يكون سوى ثمرة للكفاح المسلح الذي يستمد قوته، من الحركة الشعبية، ويحظى بدعم كل الجزائريين المناهضين للاستعمار، والفرنسيين الأكثر انسجاما مع هذه النزعة.
و في الوقت نفسه لم يستطع الحزب الشيوعي أن يلعب دورا قياديا في هذه المظاهرات، كما أنه لم يدرك إدراكا حقيقيا أهمية المطلب الوطني، بل راح يحدث قطيعة مع الجماهير الشعبية الجزائرية، ولم يتمكن من الإحساس برياح التمرد والثورة التي كانت تهب على العبودية الاستعمارية بصوت أعلى. لقد كان رد فعل الذين قادوا الحزب الشيوعي في ذلك الوقت سلبيا، وهو يكمن في الخلط بين مواقف القوميين المؤيدة للمتظاهرين ومواقف أعوان النازية. ومن هذا الجانب، يمكن اعتبار ردة الفعل هذه، خيانة كبيرة للمبادئ الشيوعية، ولشعارات الأممية الشيوعية.

فمنذ إنشائها، أكدت الأممية الشيوعية أن مهمة الأحزاب الشيوعية تكمن في البلدان المستعمَرة في وضع الكفاح من أجل تحرير بلادهم في الرتبة الأولى لعملهم من جهة، و في التزام الأحزاب الشيوعية في البلدان المستعمِرة بدعم هذا المطلب الوطني دون قيد أو شرط من جهة أخرى.
وفي مايو 1945، تخلى الحزب الشيوعي الجزائري تماما عن الخط الذي تبنته وطبقه النوات الشيوعية الأولى في عملها التحريضي و الدعائي في العشرينات من القرن العشرين. فتحت تأثير التيارات الانتهازية في الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي أعطى الأولوية للتحالف مع الاشتراكية الديمقراطية في النضال ضد الفاشية، كان شعار الاستقلال قد تم محوه تماما من البرنامج الذي تمت تزكيته في المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الجزائري في أكتوبر 1936، ولم تكن توجيهات النضال المناهض للفاشية مترابطة مع النضال المناهض للاستعمار. ففي ظل موازين القوى التي أنشأتها حكومة الجبهة الشعبية، وفي نشوة العديد من المكاسب الاجتماعية المنتزعة من خلال الوحدة بين الشيوعيين والاشتراكيين، أثر على الحزب الشيوعي الجزائري انضمام العديد من المناضلين الذين نقلوا الأفكار والتصورات البعيدة للمبادئ الثورية للأممية الشيوعية، فلم يكونوا فقط غير حساسين للمسألة القومية، ولكن أيضا كانوا متشبعين، بقوة، بالبرلمانية والإصلاحية غير المضرة بمصالح البرجوازية. ولم يتم بعد القضاء على الجذور الإيديولوجية لهذه الانحرافات في داخل الحزب الشيوعي الجزائري. وبالنسبة للكثير من المناضلين الذين اِنخرطوا في الحزب الشيوعي الجزائري بعد إضرابات عام 1936، كان الحزب يمثل لهم حسب انطباعهم أفضل مدافع عن مطالبهم الاجتماعية، وفقط تلك المطالب. لم تكن لديهم الرغبة في إسقاط النظام الاستعماري، المهمة التاريخية قبل الثورة الاشتراكية، ناهيك عن الانفصال عن فرنسا الذي كانوا ينغمسون فيها.

لقد تركت الإصلاحية الموروثة عن الحزب الاشتراكي الفرنسي آثارها على الحزب الشيوعي الجزائري واجتذبته إلى الوراء. إن هذه الإصلاحية قد منعته من تحقيق برنامجه التأسيسي الذي يكمن في الذهاب إلى الطبقة العاملة والفلاحين الكادحين لتنظيمهم تحت شعار المطلب بالتحرر الوطني، بدون فصله عن النضالات الاجتماعية التي تتيح لهم التنظيم والنضال لخوض المعارك الأكثر حسما من أجل الاشتراكية.

والحقيقة أن المناضلين والكوادر الثورية لم يعودوا يمثلون في 1936 إلا أقلية داخل الحزب الشيوعي الجزائري، وهي أقلية غرقت، ضمن كتلة كبيرة عصية، في وجهات النظر الثورية. وليس من المستغرب، أن الحزب قد تفكك في الواقع بعد منعه من العمل في عام 1939 واعتقال العديد من كبار إطاراته القيادية.
كانت هناك أقلية صغيرة من المناضلين هي وحدها التي وافقت على مواصلة النضال السياسي في ظروف قاسية من السرية تحت نظام المتعاونين مع الفاشية والنازية حتى نزول جيوش الولايات المتحدة الأمريكية في الجزائر في نوفمبر 1942. ومن جهتها، أقامت القيادة الأمريكية ودوغول في الجزائر،الحواجز الكثيرة لمنع الشيوعيين من استئناف أنشطتهم بصفة علنية. والحقيقة أن هذه القيادة وأعوانها قد ربطوا السماح للشيوعيين بالعمل شريطة أن يكون نشاطهم منحصرا في العمل الدعائي الهادف إلى التعبئة ضد النازيين. وهكذا جرت إعادة تشكيل الحزب الشيوعي الجزائري في 1943- 1944تحت قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي.
وقد رفضت هذه القيادة الجديدة أن تجعل الدعاية والتحريض للاستقلال مهمة من مهامها الأساسية، حتى لا تتعرض صفوف المعادين للفاشية للتقسيم. والسؤال الجدير بالطرح في هذا السياق هو كيف يمكن إقناع الجزائريين بالذهاب إلى الموت من أجل تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، في حين أن مطالبها المعادية للاستعمار بشكل منتظم أدت إلى موجات اعتقالات واسعة أو إغراق في الدم؟. إن هذا غير معقول منطقيا، ونتيجة لذلك كانت الحركة الشيوعية الجزائرية عاجزة خلال هذه الفترة عن الاستجابة لمطالب الجزائريين الوطنية، ولم يكن من الممكن أن تترسخ هذه المطالب في صفوف الجماهير الشعبية الجزائرية. لقد وقعت القيادة بسهولة في أيدي المغامرين المختصين في نسج الكلمات الجميلة على غرار عمار أوزڤان (Ouzegane)، أول أمين عام للحزب الذي شوه بشكل خطير سمعة الحزب الشيوعي في نظر الجماهير الشعبية بإدانته الحقيرة للمتظاهرين في يوم 8 ماي.

ولكن بفضل قوة قناعتهم، وروحهم القتالية، انتصر خط المناضلين الشيوعيين الحقيقيين، فقد اجتمعت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الجزائري في جويلية 1946، وطردت من صفوفها السكرتير الأول عمار أوزقان، وقدمت النقد الذاتي للمواقف التي اتخذتها خلال أحداث ماي 1945، وسجلت بذلك علامة جدية حقيقية لحزب ثوري. وبالنقد الذاتي بدأت مسيرة التصحيح، فقد أعلن الحزب الشيوعي الجزائري عن انطلاق وتنظيم حملة العفو لصالح الجزائريين المدانين والمعتقلين بعد سحق مظاهرات 8 ماي، وخلق الحزب بهذه العملية حملة تجنيدية كبيرة، وأرغم الاستعمار على إطلاق سراح معظم السجناء.

لقد سمحت هذه الحملة للحزب الشيوعي الجزائري بإعادة الاتصالات مع العمال والفلاحين الجزائريين ومع مناضلين قوميين متفتحين على أفكار التقدم وأقل ممارسة لمعاداة الشيوعية.
وكان تدفق المناضلين الواعين والجدد، الذين يدعون إلى مطلب التحرر الوطني والنضال من أجل الشيوعية، ذي صلة وثيقة غرست الأسس العميقة للخط السياسي للحزب الشيوعي الجزائري وجذوره في صفوف العمال والفلاحين.

المجد لأولئك الذين ضحوا بأنفسهم من أجل تحرر الجزائر من السيطرة الاستعمارية!

وتحية للمناضلين الشيوعيين الذين بسقوطهم في ميدان الشرف أدركوا أن الاستقلال ليس غاية، بل هو مجرد خطوة في المعركة الكبيرة من أجل القضاء على الرأسمالية وإقامة المجتمع الاشتراكي!

.

6 ماي 2015


Navigation

Articles de la rubrique