نمط الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين

الاثنين 28 أيلول (سبتمبر) 2015

إن عصرنا هو عصر الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية على النطاق العالمي، وهذا يعني أن كل مجتمع لا بد أن يصل إلى الاشتركية كما يقول لينين. وهذه قاعدة استنتاجية عامة وصحيحة أكدتها التجربة البشرية، فكل مجتمع أو نظام أو جماعة أو حتى فرد لابد أن يصل إلى الاشتراكية، هذا قانون عام، ولكن كل له طريقه الخاص لبلوغ الاشتراكية. وهذا ما يؤكده لينين أيضا في أحاديثه وكتاباته.
وهذه العمومية التي أكد عليها لينين فيما يتعلق بحتمية وصول أي كان إلى الاشتراكية هي عمومية صحيحة وهي تفيد أن للاشتركية قوانين عامة لا بد من مراعاتها بغض النظر عن الظروف والملابسات الخاصة، كما أن الظروف الخاصة التي تتحقق فيها الاشتراكية، تختلف من مجتمع إل آخر، وبالتالي فللاشتراكية ثوابت ومتغيرات.
لا شك أن هناك من الوجهة الموضوعية، ثوابت ومتغيرات في أي مرحلة من مراحل تطور المجتمع البشري، ولكن هذه الثوابت والمتغيرات لا تتعلق بمرحلة محددة، أي أنها ليست متعلقة لا بالبلدان الرأسمالية التقليدية، ولا بالبلدان التي لم تعرف فيها الرأسمالية كتشكيلة اقتصادية متكاملة، بل عرفتها كعنصر مختلط مع عناصر أخرى، على غرار ما يسميه بعض الدارسين ببلدان التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية المتعددة أو البلدان ذات الأنماط الاقتصادية والاجتماعية المختلفة... إلخ.
الثوابت والمتغيرات في البلدان الرأسمالية المتطورة والأقل تطورا
وإذا كانت الثوابت والمتغيرات في البلدان الرأسمالية المتطورة الكلاسيكية، مثل فرنسا وأنجلترا وألمانيا والولايات المتحد وكندا واليابان وغيرها، تعتبر مهام التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية بأنها هي المسالة الأساسية والمباشرة، لأن الرأسمالية فيها قد بلغت النضج والاكتمال، فإن بلدانا أخرى في العالم لم تبلغ فيها الرأسمالية كتشكيلة تامة، تواجه مهام مختلفة عن مهام الرأسمالية المتطورة، أو بعبارة أخرى، هي بلدان كانت تطرح فيها مهام ما قبل الرأسمالية، قبل أن يبلغ فيها التطور الرأسمالي مرحلة متقدمة.
ولما كان من البديهي قراءة الحساب للوضعية الخاصة في البلدان متعددة الأنماط، فإن الاستنتاج المترتب عن ذلك هو أنه لا ينبغي التركيز هنا إلا على البلدان متعددة الأنماط. باختصار من الضروري التركيز على بلدان التشكيلات المتعددة أو متعددة الأنماط، لا لأنها تشكل الأغلبية في بلدان العالم فقط، بل لأن التشكيلات الصافية في البلدان الرأسمالية المتطورة الناضجة تعد بالقياس إلى البلدان الأقل تطورا مدروسة، ولا تحتاج إلى دراسة مكثفة وواسعة على النحو الذي تحتاجه بلدان التشكيلات المتعددة، على الرغم من أن الأولى (أي تشكيلات البلدان الرأسمالية المتطورة) هي بذاتها تحتاج إلى تمرحل، وإلى اختلافات بين بعضها بعضا، ولكنها تعد أقل تعقيدا من البلدان ذات التشكيلات المتعددة.
ولما كانت التناقضات التي تنطوي عليها تلك البلدان (أي البلدات ذات التشكيلات المتعددة) هي أهم وأخطر القضايا التي تمر بها، فمن الواجب أن يكون التركيز في هذه الدراسة، على تناول التناقضات الكائنة في بلدان التشكيلات المتعددة، وخاصة في هذه المرحلة التي توسع فيها التطور الرأسمالي في تلك البلدان بحيث أصبح يطلق عليها البلدان الرأسمالية الأقل تطورا، ومن بينها بلدان التوجه الاشتراكي السابقة كمصر والجزائر وسوريا والعراق وليبيا في البلدان العربية إلخ. نعم تتعدد التناقضات الكامنة فيها، فهناك التناقضات الخارجية القائمة في ظل العولمة بين الإمبريالية وسعي هذه الأخيرة للسيطرة على البلدان ذات الأنماط الاقتصادية المتعددة من جهة، وحاجة الشعوب إلى التحرر والانعتاق من تلك الهيمنة من جهة ثانية، في حين توجد تناقضات داخلية، بين الطبقات الاجتماعية التي توجد في السلطة والتي تريد المحافظة عليها، وبين تلك الطبقات التي تسعى إلى الظفر بالسلطة وإقامة سلطة بديلة عنها على غرار الطبقة العاملة في اليونان التي تتبنى وجهة نظر الحزب الشيوعي اليوناني. وهناك طبقات تسعى أيضا للظفر بالسلطة، ولكن في إطار نفس التوجهات الاقتصادية والاجتماعية، أي في إطار التوجهات الليبرالية المفرطة.
وليس من الضروري في الظرف الراهن القيام بمقاربات حول كل هذه التوجهات الداخلية والخارجية، كما أنه لايوجد تأهيل مناسب للخوض في هذه المقاربات المعقدة. وتبقى التناقضات الخارجية هي التي تحظى بالأولوية، وهي المتعلقة باتجاهات النضال التحرري، أي أن هذه البلدان في حاجة إلى فترة انتقالية، طالت أم قصرت، إلا أنها فترة انتقالية تختلف عن تلك التي أشرنا إليها في معرض كلامنا عن الظروف العامة للمرحلة التاريخية الراهنة.
النضال ضد الإمبريالية ينبغي أن يكون في سياق الاشتراكية:
إن النضال ضد الإمبريالية يعد من المهام الرئيسية لبلدان التشكيلات المتعددة، سواء نهضت بهذا النضال أم لا. وبقصد به مجابهة المخاطر التي تشكلها الإمبريالية العالمية من خلال هيئاتها الدولية المختلفة كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي أو منظمة التجارة الدولية أو حلف شمال الأطلسي إلى آخره. وهذا النضال الخارجي، والمرتبط بالداخل أيضا، هو، في المدى المستقبلي، نضال من أجل الاشتراكية، بحيث لا يمكن منطقيا وعمليا تصور أية تنمية خارج الانتقال إلى الاشتراكية، سواء أكانت البلدان االمعنية واعية بذلك، أم لم تكن واعية.
ومما لا ريب فيه أن تضافر نضالات الشعوب، وخاصة نضالات شعوب بلدان التشكيلات المتعددة ضد القوى الإمبريالية في الساحة العالمية من شانه أن يعزز جهود القوى التقدمية المناضلة من أجل التقدم الاجتماعي في شتى هذه البلدان، وفي العالم بأسره، والتي يهيئ انتصارها في النضال لتحقيق هذه المهام، إلى فتح الطريق أمام التقدم الملموس نحو الاشتراكية في عالمنا المعاصر. ولسنا في حاجة إلى سرد تاريخ الإمبريالية، فالدراسات حافلة في هذه المجالات، ولكن تجدر الإشارة إلى ما نحن بصدده، وهو مجال لم يزل بكرا، حيث أن للرأسمالية الإمبريالية تاريخا ملوثا بالنفاق السياسي. لقد شنت حروبا شرسة ضد بلدان كثيرة من أجل إعادة اقتسام العالم، وزجت بها في أتون حربين عالميتين طاحنتين وحروب إقليمية أخرى راح ضحيتها ملايين البشر. ولا تزال البلدان الإمبريالية تعمل بدأب على شن حروب لتفرض على بلدان ذات التشكيلات المتعددة “المحيطية” سياسات القهر والعزلة والتهميش والتبعية وتحرير الأسواق والأسعار، وإضعاف دور الدول التي لا تركع لسياستها واستراتيجيتها. وتحجب هذه البلدان المتطورة عن الأخيرة مصادر المعرفة ومنافذ نقل التكنولوجيا الحديثة عقابا لها على ممارسة سياسة مستقلة عنها، مما يؤدي إلى تفاقم عمليات النهب واختلاس الثروات واختلال موازين التبادل، واستمرارها في حالة من التخلف والتبعية. ومن الواضح أن النظام الرأسمالي العالمي يتصرف في الكثير من الأحيان في الأرباح الخارجة عن دائرة نفوذه المباشر تصرفاً فظا وغير أخلاقي. وقد يسفر هذا التصرف عن خسائر بشرية كثيرة لا يمكنه الاهتمام بمصيرها، كما يحدث حاليا في العديد من البلدان المتخلفة ومنها البلدان العربية. ولا تراعي الإمبريالية في ممارسة سياستها الهيمنية لا مبادئ السيادة ولا العدالة ولا الديمقراطية التي تتشدق بها، ولا حقوق الشعوب في تقرير مصيرها بكل حرية، فضلا عن أن هذه السياسة لا تجلب الاستقرار في العالم، بل تقود إلى انتشار الفوضى والنزاعات الداخلية والإقليمية والإرهاب والتطرف الديني والعنصري وغير ذلك من الموبقات. ليس هذا فحسب، بل إنها تؤدي إلى بروز القوى الفاشية والنازية الجديدة في مختلف البلدان مثل أوكرانيا وغيرها. صحيح أنه قد تحققت بعض المكاسب في بعض البلدان ذات الطابع الرأسمالي، ولكن كان ثمن مكاسبها، دائماً على حساب ويلات رهيبة من القتل والفتك والاستعباد والمجاعات للشعوب الأخرى.
من خصائص الإمبريالية:
إن الخاصية الأساسية للإمبريالية هي الخاصية الاقتصادية، ولكن هناك خصائص أخرى هي التي تعنينا في هذا المقام، منها: أن نزعة الحرب طبيعية في النظام الرأسمالي، إذ هو لا يعرف السلم ولا الاستقرار إلا إذا كان سلما واستقرارا يلبي مصالحه الحيوية، وينبغي أن ندرك أن هذا النظام يملك ترسانة نووية عتيدة، وبهذه المقدرة التكنولوجية الحربية المتطورة التي يحوزته ونزعاته التي تميل إلى العدوان والحروب الذي قد يعرض الحياة الإنسانية برمتها إلى الفناء، خاصة أن ما ينفقه اليوم على السلاح والحروب يكفي لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها شعوب المعمورة.
لقد أنتجت الرأسمالية قوى وقدرات هائلة، ولكن تناقضاتها الداخلية، وصراعاتها ضد جميع القوى والشرائح الاجتماعية التي تناهضها، تكبل قواها وإمكاناتها، بحيث بات اليوم من الضروري إزاحة هذه الطبقة المهترئة بالقوة. فأزمات النظام الرأسمالي العالمي لا تزال تتكرر وتتعمق وتؤكد طابعها البنيوي الحتمي، حيث تؤكد هذه الأزمات أن هذا النظام عاجز عن إيجاد حلول حقيقية للمشاكل التي تتخبط فيها الإنسانية بسبب طابعه الاستغلالي والاضطهادي والقهري. وتتجلى هذه الأزمات في العديد من المجالات داخل المجتمعات المعنية منها: فيض الإنتاج، والتراكم الرأسمالي المتزايد على حساب العمال الذين ينتجون ثروات المجتمعات ولا يستفيدون منها، وأيضا على حساب صغار المنتجين والأشخاص الذين يعملون لحسابهم الخاص، واحتدام التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والتملك الخاص لوسائل الإنتاج. ولم تجد كل الطرق في معالجة أزماته، رغم التقدم التقني الكبير وحقنه بترليونات الدولارات، بينما اتجهت ردود فعل الإمبرياليين إلى الهجوم على الحقوق والمكاسب الاجتماعية والديمقراطية للطبقة العاملة والفئات الاجتماعية المنتجة في بلدانها، والضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية على الحقوق الاجتماعية للشعوب الأخرى. وتجري إعادة صياغة قوانين العمل بهذه الخصائص هادفة من وراء ذلك إلى تعميق استغلال العمال، والانتقام منهم عمّا كسبوه سابقاً بتأثير منجزات الاشتراكية الفعلية. ويرافق ذلك انهيار أيضا في منظومة القيم الأخلاقية، مما يظهر أيضا الوجه الحقيقي لوحشية الرأسمالية، وتجاهلها للمعايير والأعراف والقوانين الموضوعية. وقد شهدنا مثال ذلك مؤخراً في الرد القوي والعنيف لممثلي الطبقات البرجوازية الاحتكارية في الولايات المتحدة على حركة “احتلوا وول استريت” ضد البطالة، وكذلك على المظاهرات التي اندلعت في ولاية فيرغسون ضد التفرقة العنصرية، وشتى المظاهرات العمالية التي تجري في اليونان. وهكذا أضحت الرأسمالية عبر أزماتها العامة بحاجة إلى نهاية التاريخ، بينما باتت الطبقة العاملة والشعوب بحاجة إلى نهاية الرأسمالية، لأنها هي المسؤولة عن بؤسها وشقائها. وهذا يلقي على الأحزاب الشيوعية والعمالية مسؤوليات تاريخية، فعليها أن تعمل على تعزيز تكاتف الطبقة العاملة والفئات الشعبية المضطهدة في مواجهة هذه العدوانية، والتحضير “تحت قيادتها” إلى الإطاحة بها ثوريا واستبدالها بنقيضها الحتمي وهو الاشتراكية.
الشروط الأساسية للاتجاه نحو الاشتراكية
إن الاشتراكية هي نتاج تراكمي لنضال البشر على امتداد عشرات العقود، في إطار نضالات سياسية، واتجاهات اقتصادية واجتماعية وفكرية هدفها الرئيسي إلغاء الاستغلال والاستلاب والاضطهاد، وإقامة نظام عادل حقيقي على الأرض. وفي سياق نضالها الملموس تربط الطبقة العاملة والشعوب بين حقها في الحرية والتحرر من جهة، وتطلعهما إلى بناء النظام الاجتماعي الاشتراكي من جهة أخرى.
إن الحتمية المستقبلية للعالم برمته تكمن في الاشتراكية، التي يتمثل قانونها الأساسي في الإشباع الأساسي للحاجات المادية والروحية المتنامية لكامل أفراد المجتمع، وهي حتمية لا يمكن التراجع عنها. وأول ما تتطلبه تلك الحتمية هي بناء حزب طليعي للطبقة العاملة وقيادة ثورية، ومشاركة تنظيمات سياسية واجتماعية ونقابية طبقية في عملية البناء والتنمية، ومخططات اقتصادية واجتماعية تحقق نموا وإنتاجية أعلى وأوسع، وأعمق عدالة اجتماعية وديمقراطية.
ولما كانت هذه الشروط لبناء الاشتراكية غير متوافرة حاليا في بلدان التشكيلات المتعددة، فإن ما تتطلبه ظروف هذه البلدان في هذه المرحلة هو انتهاج سياسات وإجراءات تقدمية باتجاه تحقيق عدالة اجتماعية أكبر، أو على الأقل تحسين أوضاع الفئات والشرائح الاجتماعية من صحة وتعليم وعمل، وأجور عادلة، وضمانات اجتماعية دائمة يشرف على هذه المهام قطاع دولة فاعل ومنتج، يخضع لرقابة فعلية من هيئات الشغيلة، لتجنب تكوين بيروقراطية تستغله وتعيق تطوره، واعتماد سياسة ضريبية تصاعدية ترتفع تكاليفها على المداخيل والأرباح العالية. إن أولى شروط هذه السياسة، هو الإقلاع عن السياسات الليبرالية الاقتصادية التي أضرّت بالاقتصاد المحلي، وأساءت إلى معيشة الشعب وإلى شبكة الضمان الاجتماعي، ولا بد من انعطاف حاسم نحو سياسات تصب في مصلحة الأغلبية الساحقة من الناس، وتقسيم عمل مخطط ومعقلن بين كل مؤسسات الدولة، والمؤسسات الإنتاجية والخدمية للدولة، مما يساعد على تحقيق أهداف المخططات الإنتاجية والتنمية الشاملة.
وإذا كان السوق ضرورة في هذه المرحلة لتطور الإنتاج وتفعيل الإدارة، فإن تدخّل الدولة ضروري لتسييره وضبطه وإخضاعه لمعايير اجتماعية وسياسية في صالح العمال والشعوب. ولتجنب الوقوع في شباك الاقتصاد الوهمي والمضاربات المالية، أي تأمين الاستفادة من كل إمكانات القطاعات والثروات الاقتصادية المحلية المتاحة، مع الموازنة بين متطلبات النمو الاقتصادي من جانب، ومتطلبات ومصالح فئات الشعب الكادحة وخاصة العمال والفلاحين من جانب آخر. وبالمحافظة على مكتسباتها التي حققتها بتضحياتها، فإن شعوب بلدان التشكيلات المتعددة تتطلع إلى حياة كريمة ووطن كريم. وقد أثبتت سنوات الأزمات الرأسمالية أن الدفاع عن القطاع العمومي كان موقفاً طبقيا ناجعا جديرا بالاعتبار، ففي الوقت الذي يتمادى فيه التجار الكبار في استغلالهم واحتكارهم وزيادة أرباحهم، تتدخل مؤسسات القطاع العمومي، وتلبي احتياجات السوق من المواد الأساسية أو المواد واسعة الاستهلاك.
إن نظاماً يقوم على الملكية العامة لوسائل الإنتاج الرئيسية، وعلى التخطيط المركزي، يجب أن يترافق مع ديمقراطية عمالية واسعة وعميقة في تكوين السلطة السياسية وممارساتها، وفي علاقات الإنتاج ومجالس الإنتاج، والنقابات العمالية، وترسيخ مبدأ المواطنة الفعلية.
وعلى الرغم من أن شكل الملكية يعد أحد العوامل المحددة لطبيعة النظام. وهذا صحيح، إلا أنه لم يعد كافيا اليوم أمام الاحتيالات التي تلجأ إليها الطبقات المستغلة. ففي البلدان الرأسمالية توجد ملكية للدولة أيضاً، ولكن أهدافها تختلف اختلافا نوعيا عن أهداف قطاع الدولة في بلدان التشكيلات المتعددة، الذي يمكن تحديد مبدأ طريقه المستقبلي في الاشتراكية. ومع أن وجود القطاع العام في البلدان ذات التشكيلات المتعددة يعتبر ظاهرة تقدمية، إلا أن تحديد طابع هذه الملكية تحدده ملامح الدولة ذاتها، فالطبقة أو الفئة التي بيدها مقاليد السلطة هي التي تقرر طرق استخدام وسائل الإنتاج العمومية وأهدافها. ويأتي الضرر عندما تفضّل الطبقة البرجوازية الحاكمة مصالحها الخاصة على حساب المصالح العامة للطبقة العاملة وغالبية الشعب. وهذه الملكية العامة حتى في أكثر الدول تقدمية لم تمنع من تطور الرأسمالية لفترة معينة، على الرغم من وجود حالات ساهمت الرقابة العمالية في عرقلة هيمنتها.
ولم يعد أيضا الاعتقاد بنجاعة الاقتصاد الموجه شرطا كافيا في تحديد الطابع الاجتماعي للنظام، بل الأهم هو تحديد من يوجه هذا الاقتصاد؟ ولمصلحة من يوجه؟. فقد أظهرت التجربة السابقة إمكانية نشوء فئة بيروقراطية مسيطرة في أجهزة الدولة تستأثر بالسلطة وتنسلخ عن وضعها الطبقي، وتوجه هذا التخطيط لفوائدها ولمصالح شركائها من البرجوازيين الطفيليين. ولمنع ذلك الابتزاز لا بد من تفعيل رقابة عمالية مباشرة من خلال مجالس عمالية منتخبة ديمقراطياً، لتضمن توجه مؤسسات الدولة نحو خدمة الطريق الاشتراكي.
ومن الواضح أن الاشتراكية بطبيعتها لا تسلب أحداً القدرة على تملّك منتجات اجتماعية استهلاكية، بل تستعمل قدرتها على استغلال الغير بواسطة تملك منتجات إنتاجية، وتحقق مصالح كل العاملين بسواعدهم وأدمغتهم، وتتيح لهم الانخراط الفعال في الإنتاج، والتمتع بثمار عملهم، والعيش بكرامة وأمان. وكلما تحققت مستويات متقدمة من التوزيع، توفرت شروط وضمانات لتحقيق معدلات نمو أعلى، ونحو توزيع أكثر عدلا.
إن مضمون التنمية هو عملية تغيير اجتماعي، والتنمية بالتالي هي عمليه صراع طبقي بين طبقات مستغلة مستفيدة من الوضع القائم، وطبقات كادحة تطمح للتغيير، ويحكمها التناقض بين الطبقات الكادحة المنتجة للفائض الاقتصادي من العمال والفلاحين وحلفائهما من جهة، وقوى البرجوازية المستغلة بمختلف أنواعها والبيروقراطية وحلفائهما من قوى الهيمنة الإمبريالية. إنها عملية سياسية واجتماعية في نهاية المطاف.
ومن الواضح أن إزالة التفاوت بين الطبقات الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة، هما الأساس لاحترام حقوق الإنسان، وتمتين أواصر التضامن الطبقي بين الطبقات الكادحة، وبناء الدولة العمالية الديمقراطية، وتمكين كل السكان المتساوين في الحقوق والواجبات من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية وتولي المناصب العامة، وتوفر كل الضمانات لحصول الشعب على أبسط حقوقه ولقمة عيشه بكفاية وكرامة.
وفي هذا الصدد يقول ماركس: عندما تنفجر الثورة البروليتارية الحقيقية، ستتوفر لها أيضاً شروط تتصل بأسلوب العمل. وهي حقا شروط غير سهلة على الإطلاق، فالاشتراكية كنظام اقتصادي واجتماعي وحقوقي لا تستوعبه وصفات جاهزة يمكن الأخذ بها في كل البلدان والظروف، وليس هناك شكل نهائي لها، أو لتنظيمها السياسي، وإنما يمكن أن تعزز الحياة العامة دائماً بأشكال أرقى، من خلال زيادة الوعي الاجتماعي والديمقراطي الأوسع، وحرية غير محددة للصحافة والإعلام، وصراع حر للأفكار في سياق التوجه الاشتراكي، وانتخابات حرة مباشرة وسرية، وتعددية سياسية ملموسة، ودولة مؤسسات وقانون، وفصل للسلطات، وتسلم الإدارات فيها لأصحاب الكفاءات والمهارات الحقيقية، بعيداً عن المحسوبية والمحاباة والولاءات الضيقة، مع نظام تعليمي وقضائي متطور وعادل، واجتثاث لمنابع الفساد.
الجديد في الاشتراكية
إن الاشتراكية التي سيتم بناؤها في المستقبل لا بد أن تكون أفضل وأرقى من التجارب الاشتراكية السابقة، ولكن يجب تبني أفضل ما في الاشتراكية السابقة، وتضاف إليها من الخصائص والظروف الخاصة ما يجعلها أكثر تطورا ورقيا، لأنها ينبغي أن تتجنب سلبياتها، وترسخ إيجابياتها، وتشكل تجاوزا جدلياً وثوريا للرأسمالية، سواء أكان ذلك في شكلها الناقص أو الكامل، وتكون أرقى وأكثر حرية وعدالة. إنها ستطور أشكالاً جديدة للمشاركة الشعبية تتجاوز بها الديمقراطية البرجوازية، وتوسع مداها حسب الظروف الذاتية والموضوعية لكل بلد. فالديمقراطية التي يبنيها العمال والمواطنون الأحرار الواعون لمسؤولياتهم إزاء بعضهم البعض في النظام الاشتراكي تصون نفسها، وتدافع عن نفسها، ويطور الكادحون آلياتها ومضمونها وفق حاجاتهم الإنسانية الرفيعة، وتقرير مصيرهم بشكل جماعي. وهكذا تنشأ الظروف الملائمة في الاشتراكية التي سيبنيها العمال والكادحون في المستقبل لتكون أوفر إنتاجاً وتلبية لحاجات الناس، وأغزر علماً، والأولوية فيها دوما للإنسان، لا لربح البعض وخسارة المجموع. ومن البديهي أن هذه الأمور كلها تمثل استجابة لمصالح الأكثرية من الشعب، وتحمل الطبقة العاملة فيها صفة تمثيل القوى المنتجة المتقدمة، وتجسيد علاقات إنتاج متقدمة، وإنجاز المهمة التاريخية في بناء الاشتراكية، وهي تحويل الاشتراكية إلى فترة تمهيدية لبناء الشيوعية، المجتمع اللاطبقي الذي يحكمه قانون “من كل حسب مقدرته ولكل حسب حاجته”.
وتشكل الماركسية الثورية، بوصفها نظرة موضوعية إلى العالم ومنهجاً علميا للواقع، قاعدة نظرية ودليلاً عمليا للحركة العمالية والشيوعية. وإن تطبيقها يعني أن يجري الجمع بين المبادئ الماركسية العامة والواقع الملموس في البلد المعني في المرحلة المعنية من تطوره، واستخلاص التجربة الجديدة الملائمة لظروفه، والمضي قدماً وفقاً لتطور العلوم والتكنولوجيا، والممارسة العملية.
إن بناء الاشتراكية في بلدان التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية المتعددة هو عملية أكثر صعوبة وتعقيدا، من البلدان الرأسمالية المتطورة، ولكن الذي يجمع بينهما هو تطبيق القوانين العامة على الظروف الخاصة.
27 سبتمبر 2015
بقلم حامد ربيع


Navigation

Articles de la rubrique