نرجسية نتنياهو

نرجسية نتنياهو
الثلاثاء 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2015

يقال إنه كان في النظام القيصري الروسي وزير داخلية اشتهر بتطرفه في معاداة اليهود، مما أثار قلق الطائفة اليهودية هناك. لكن تصادف أن كان بينها دعي راح يعلن أنه قادر على الالتقاء بالوزير المعني وإقناعه بتغيير موقفه، لكنه يحتاج لبعض المال لرشوة من يؤمن له الوصول إلى الوزير، ولكن حين دخل ذلك الدعي، بعد الترتيبات اللازمة، مكتب الوزير، صرخ الأخير في وجهه: ماذا تريد أيها اليهودي القذر. وبهذا انتهت المقابلة. ومع ذلك، رجع ذلك الدعي إلى جماعته زاعما أنه أنجز المهمة على الوجه المطلوب.
فماذا قال بوتين لنتنياهو الذي هرول إلى موسكو بعد الإعلان عن الحضور العسكري الروسي في سورية، حين عبّر الأخير، أمام الأول، عن مخاوفه المخادعة الزائفة من أن تفتح سورية الجبهة على إسرائيل، أجاب بوتين: سورية المنغمسة في صراع مصيري مع الإرهاب الدولي لا مجال لتصور فتحها جبهة أخرى. أما حول المخاوف من تسرّب الأسلحة الروسية لحزب الله اللبناني، فقال بوتين: حزب الله لديه ما يكفيه من السلاح والعتاد ويصنع الكثير من احتياجاته الحربية بنفسه.
والحقيقة التي عاد نتنياهو من موسكو وهو يعيها، شأن غيره من الضالعين في التآمر على سورية، هو أن الحضور العسكري الروسي في سورية، والذي فاجأ الكثيرين، الذين ظنوا أن الأزمة الأوكرانية لا تسمح للروس بمثل هذه الخطوة الجريئة، هذه الحقيقة تعني أن هذا الحضور العسكري قلب الحسابات، بشكل درامي، في الميادين الثلاثة التالية:
الأول – أن هذا الحضور يضع حدا لعربدة الطيران العسكري الإسرائيلي في الأجواء السورية لدعم عصابات الإرهاب الدولي الناشطة في الأراضي السورية، وبخاصة “النصرة” التي علّقت إسرائيل الآمال عليها لخلق حالة في جنوب سورية كتلك التي أقامها، في حينه، لحد في جنوب لبنان. ومعروف أن الطيران العسكري الإسرائيلي أغار أكثر من عشر مرات على الأراضي السورية دعما لهذا الإرهاب، وبدعوى منع نقل السلاح لحزب الله.
والثاني - أن هذا الحضور وضع حدا لأوهام الذين ظلّوا على مدى أكثر من أربع سنوات يدعمون الإرهاب ويراهنون عليه لأخذ سورية وتقسيمها كما يشتهون. وها هم يتسابقون للنزول عن الشجرة العالية، باضطراب وارتباك، معلنين بأن استبعاد الأسد منذ المراحل الأولى لعملية التسوية لم يعد مطلوبا، ولكن دون التخلّي، بعد، عن شخصنة أهدافهم الحقيقية تجاه سورية في شخص الأسد، شأنهم في ذلك شأن الإسرائيليين حين كانوا يزعمون بأن عرفات هو العقبة الوحيدة في طريق السلام .
والثالث - أن هذا الحضور سحب البساط من تحت أقدام واشنطن وتحالفها الاستعراضي لمحاربة داعش، بينما هم حريصون على وجوده، وتوظيفه في خدمة أهدافهم في سورية والعراق. وقد غدا الخيار أمامهم، الآن، إما الانضمام لمحاربة داعش جديا، وليس مسرحيا، أو افتضاح أمرهم نهائيا. وهذا ما يربكهم الآن؛ بينما الحضور الروسي سيدعم الجيش السوري ويضاعف من قدراته في هذه المهمة، التي يتصدّى لها هذا الجيش، بشرف منذ البدء، والذي بدونه يستحيل إنجازها.
بمعنى آخر، فهذا الحضور العسكري الروسي، الذي جاء بعد الاتفاق النووي الإيراني، إنما يأتي لتتويج عدد من الحقائق التي نضجت في المنطقة، وفي مقدمتها قيام تحالف عريض يضم كلا من إيران والعراق وسورية والمقاومة اللبنانية والحضور الروسي، وأن هذا التحالف ليس فقط سيغيّر موازين القوى في المنطقة، وإنما يبشر بمتغيرات نوعية سيكون الخاسر الأكبر فيها إسرائيل ودول الخليج. وغني عن القول بأن الحضور الروسي في سورية يأتي في إطار الدفاع عن النفس. فسقوط سوريا بيد الإرهاب التكفيري سيعني انتقال هذا الإرهاب، بدعم من واشنطن، إلى مناطق القفقاس الروسية، ليصل حتى الشمال الغربي من الأراضي الصينية، حيث تتمركز الأقلية الإسلامية هناك.
ولكن برغم كل هذه الحقائق البالغة الأهمية التي أدركتها واشنطن وعواصم الغرب الأخرى، وأرغمتها على البدء بتغيير مواقفها المسبقة من الأزمة السورية، فان نتنياهو برغم ذلك وبرغم فشله الواضح في رحلته لموسكو، ومن قبلها في معركة النووي الإيراني، حيث وجد نفسه وحيدا تماما على الساحة الدولية، برغم كل ذلك، تصوّر له نرجسيته بأنه دوما المنتصر. وحتى حين تلاعب به أقصى يمين الجمهوريين في الكونغرس الأميركي، كصبي مشاغب ضد إدارتي كلينتون وأوباما الديموقراطيتين، توهم أنه قادر على فعل أي شيء حتى في الداخل الأميركي، إلى حد تصريحه، خلال إدارة كلينتون، في إحدى جلساته الخاصة بأنه يستطيع حرق البيت الأبيض!، متناسيا الحكمة البليغة لسلفه، غولدا مائير، حين وقفت خلف المذياع، أوائل العام 1957، لتعلن قرار الانسحاب من سيناء وقطاع غزة، وهي تذرف الدموع، وتردد: “ما أصغرنا أمام الكبار”، تحت ضغط التهديد السوفياتي الداعم لمصر عبد الناصر، والضغط الأميركي، الذي كان يخطط لانتهاز فرصة فشل العدوان الثلاثي ليرث النفوذ البريطاني – الفرنسي في المنطقة، باسم نظرية الفراغ أو مشروع إيزنهاور.
فهل بقي من “يتمرجل” عليه نتنياهو، إذا استثنينا أطفال الحجارة البواسل، إلا سلطتنا؟. ومع ذلك، فالديك يظن بأن الفجر لا يبزغ إلا لأنه يصيح.
عن موقع حزب الشعب الفلسطيني
01 أكتوبر 2015