عن “حزب سيريزا رقم 2” والمحاولة الجديدة لخداع الشعب

عن “حزب سيريزا رقم 2” والمحاولة الجديدة لخداع الشعب
الأحد 30 آب (أغسطس) 2015
par   - الجزائر الجمهورية

“ليس بإمكان أحد خوض ذات النهر مرتين”، هو ما قال به الفيلسوف البدائي هيراكليتوس، ولكن يبدو بعض اليونانيين المعاصرين يتجاهلون هذا القول المأثور. إن الحديث هنا هو عن القوى السياسية التي انفصلت مؤخراً عن حزب سيريزا معلنة تأسيس حزب“الاتحاد الديمقراطي” الجديد. حيث تطرَّق الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني ذيميتريس كوتسوباس، مشيرا إلى التطور المذكور، بقوله: “لا ينبغي أن تُلعب المسرحية ذاتها على حساب الشعب. وعلاوة على ذلك، فعادة ما تكون”تتمة الأفلام“أسوأ من سالفاتها”.
لقد استخدام النظام “عجلة احتياطه اليسارية”. وبغرض فهم هذا التطور السياسي الأخير في اليونان، من الجدير ذكر بعض العناصر من مسار سيريزا التاريخي. فقد تشكل سيريزا كاتحاد مشترك لمختلف الزمر الانتهازية حول نواة حزب السيناسبيسموس الأساسية، أي حول القوى التي غادرت الحزب الشيوعي اليوناني في عقد التسعينات متأثرة بأفكار غورباتشوف، بعد أن كانت قد حاولت خلال وقت سابق دون نجاح، تحويل الحزب الشيوعي اليوناني إلى حزب اشتراكي ديمقراطي وتحقيق تفكيكه الذاتي تنظيمياً. وكان قد تشبَّث فوق هذه القوى أيضاً، كل أولئك الذين غادروا الحزب في وقت سابق (عام 1968) تحت تأثير تيار الشيوعية الأوروبية الإنتهازي.
و قد كان برنامج السيناسبيسموس على مر الزمن، برنامج تسيير اشتراكي ديمقراطي من خلال الإصلاحات.
ومنذ بدايات اﻠ 2000 وفي وقت لاحق، لا سيما بعد دمجه لمختلف الزمر (التروتسكية والماوية، الخ)، تطور حزب سيناسبيسموس ليغدو سيريزا، حيث جرى تغليف هذا البرنامج الاشتراكي الديمقراطي بشكل متقن بشعارات “جذرية” و“حركية” “مناهضة للنظام”، وهو ما تعزز بعد عام 2010، مع اندلاع الأزمة الاقتصادية الرأسمالية. حين جلبت حقيقة توقيع اتفاقات (مذكرات) مناهضة للشعب من قبل حكومات حزبي الباسوك والديمقراطية الجديدة مع منظمات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي الامبريالية، الذي ترافق مع تدابير قاسية مناهضة للشعب، تبني حزب سيريزا لخط “مناهضة المذكرات” الغامض. وفي الفترة ذاتها قاد تفكك حزب الباسوك الاشتراكي الديمقراطي السريع إلى إيواء العديد من كوادره إلى حزب سيريزا. حيث وفرت المعضلة الكاذبة “مع المذكرة أو ضدها” لحزب سيريزا إمكانية المتاجرة بالأفكار وخداع القوى الشعبية، واعدا بإمكانية وجود إغاثة للشعب من التدابير القاسية المناهضة للعمال، ضمن إطار الاتحاد الأوروبي ومسار التطور الرأسمالي، مسلطاً الضوء على مطلب تخفيض جزء من الدين العام، مما يعني موضوعيا ًاعترافه بالديون التي خلقتها حكومات البلوتوقراطية وبوجوب إيفائها من قبل الشعب.
وفي إطار إعادة صياغة المشهد السياسي عام 2012، دُعم سيريزا من قبل قطاع من الطبقة البرجوازية وضُخِّم انتخابيا فنجح في الفوز في انتخابات كانون الثاني/ يناير 2015، وشكل حكومة بالائتلاف مع حزب اليونانيين المستقلين الذي يتحدر أصل “جذعه” الرئيسي من حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ، وهو حزب ذي مراجع قومية.
وبعد ستة أشهر من حكم سيريزا واليونانيين المستقلين يواجه الشعب اليوناني مذكرة جديدة ثالثة، تحتوي على تدابير جديدة مناهضة للعمال والشعب.
عن وضع اللهجة “اليسارية” في خدمة رأس المال

إذا ما كان هناك من أمر قد تمظهر على وجه صارخ خلال تطورات الأشهر الأخيرة فيما يتعلق بحزب سيريزا وحكمه البرجوازي، فهو الإفلاس الكامل للسياسة التي يطبِّل قائلاً بإمكانية خدمتها في وقت واحد للاحتكارات والشعب، كما وبقدرته على خدمة المصالح الشعبية عبر إدارة برجوازية داخل الاتحاد الأوروبي والتحالفات الإمبريالية في ظل ظروف الهمجية الرأسمالية. حيث أقرَّت من خلال توقيع حكومة ائتلاف سيريزا واليونانيين المستقلين التي أثبتت بأنها خلفٌ حسن لسالفاتها، حكومات ائتلاف حزبي الديمقراطية الجديدة والباسوك، حيث أُقرَّت وبأصوات باقي الأحزاب البرجوازية (الديمقراطية الجديدة و الباسوك والنهر) مجزرة جديدة تنفذ بحق الشعب اليوناني والأسر العمالية الشعبية، حيث تحتوي تدابير المذكرة الثالثة الإضافية، على اقتطاعات مأسوية جديدة في الرواتب والمعاشات التقاعدية، وانقلابات في علاقات العمل وجولة جديدة من الهجمة الضريبية مع الحد من الخدمات العامة الصحية والتربوية والرعاية الاجتماعية عبر متابعة الخصخصة، و إطلاق رصاصة الرحمة على فقراء المزارعين و صغار الكسبة. وهذا كله إلى جانب الحفاظ على المذكرات السابقة وقوانينها التطبيقية اﻠ 400 المناهضة للشعب.
وأمام عملية تعرية وإفلاس الاشتراكية الديمقراطية المسكوكة حديثا خلال بضعة أشهر، تجلت وبوضوح حقيقة صدق ودقة توقعات الحزب الشيوعي اليوناني عند تحذيره الشعب منها، وكذا من حاجة النظام السياسي البرجوازي إلى خلق سواتر جديدة في مواجهة تجذير الشعب.
وهكذا ففي المحصلة، يجري في اليونان إعادة عرض ذات المسرحية التي قدمت منذ عام 2012 حتى 2014 ببطولة سيريزا، من قبل حزب “الاتحاد الشعبي” المؤسس حديثاً من قبل بانايوتِّيس لافازانيس الذي كان حتى وقت قريب وزير الطاقة في حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين، حيث هناك سعي لتحويل مجموعة “الاتحاد الشعبي” البرلمانية التي نتجت يوم الجمعة 21/ 8/2015 بعد استقلال 25 نائبا من نواب سيريزا، إلى تأهيل حزب سياسي جديد يشكِّل ساتراً في وجه أولئك المناضلين اليساريين والجذريين ممن وقعوا خلال السنوات الماضية في أوهام قدرة سيريزا وحكومته على إيجاد منظور مؤيد للشعب للبلاد. وتعرض مجموعة “الاتحاد الشعبي” باعتباره حلاً، طرح العودة إلى العملة الوطنية وتقوم باستنساخ صارخ لموضوعات ومقترحات نيوكينزية كان سيريزا خلال السنوات الأخيرة قد زرع حولها أوهاماً عن إدارة يسارية للرأسمالية وفي صالح الشعب.
كوادر الصفوف الأولى في عملية الخداع
لقد نُفِّذ انقسام حزب سيريزا هذا، من قبل قوى تبوأت الصفوف الأولى لكوادر وزراء حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين ممن نفَّذوا وبدقة ما نصت عليه كلا المذكرتين الأولى والثانية، وارتضوا دون أي احتجاج جميع القرارات التي أعدَّت المذكرة الثالثة الثقيلة.
إن هذه القوى التي كانت متواجدة سلفاً ضمن سيريزا باعتبارها “منبره اليساري”، و كانت قد وافقت على اتفاق الحكومة مع الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي المبرم في 20 فيفري وهي التي نصَّت على تنفيذ جميع التدابير المناهضة للعمال المُتضمَّنة في المذكرتين السالفتين، ووافقت على تسديد جميع مطالب رأس المال الكبير.
وخلال كل الفترة السابقة، قبلت هذه القوى كافة مقترحات الحكومة نحو الترويكا من أجل توقيع مذكرة جديدة تتضمن تدابير ثقيلة مناهضة للعمال. هذا ويتمثل أمر له دلالته، في عدم إسقاط هذه القوى لحكومة سيريزا واليونانيين المستقلين قبل أن تتمكن من إقرار المذكرة الوحشية، كما واستمرت في التأكيد وبكل النغمات على دعم الحكومة، على الرغم من الخلاف ... حتى أعلن رئيس الوزراء تسيبراس بنفسه باستقالة الحكومة ...
ولم تنطق هذه القوى ببنت شفة عندما كانت حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين تعد الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بإقامة قاعدة عسكرية جديدة في منطقة بحر إيجة أو عندما نظمت حكومتها مناورات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ولا عند إقرار الحكومة باستمرار عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، ولا في حين تصريح وزير الدفاع بأن بلاده ستشارك في جميع نشاطات الناتو والاتحاد الأوروبي،الإمبريالية.
حيث تتظاهر هذه القوى الآن ... ﻜ“أزواج مخدوعين” أو بمظهر المعبرين الأصليين عن “جذرية” سيريزا وتشارك في انتخابات 20 أيلول/سبتمبر بشكل مستقل.
يونان رأسمالية مع عملة وطنية
ومع ذلك، فما هو ما تقترحه هذه القوة السياسية؟ إذا ما كان سيريزا يتحدث حتى الآن على الحفاظ على البلاد ضمن منطقة اليورو. إن حزب الإتحاد الشعبي يتحدث عن “خروج منظم من منطقة اليورو، إذا ما لزم الأمر ذلك”. وهي تطرح في أي حال من الأحوال، مطلب خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي من مسار التطور الرأسمالي. ولهذا السبب تقوم القوة المذكورة بالكلام عن “خروج من منطقة اليورو إذا ما لزم الأمر ذلك”.
فكما جاء على لسان رئيس الاتحاد الشعبي، بانايوتِّيس لافازانيس الذي يغازل رأس المال، فإن الخروج المذكور سوف يجري في حال احتياج الاقتصاد الرأسمالي لذلك بهدف تحقيق انتعاشه. وعلاوة على ذلك، يقوم الاتحاد الشعبي “بإعادة تدوير” كومة من تدابير الإدارة النيوكينزية المعروفة، على سبيل المثال “التملك الاجتماعي للبنوك بغرض قيامها بدور تنموي”، مدعماً عبر ذلك إمكانية تحويل البنوك ﻠ“جمعيات خيرية” من شأنها توزيع أموال الدولة الساخنة لدعم الانتعاش الرأسمالي الشهير. و هي بذلك تبث الأوهام في صفوف الشعب، وتعتِّم على قوانين حركة الاقتصاد الرأسمالي الذي يطالب العمال وباستمرار بتقديم “تضحيات” جديدة، وتقليصاً للحقوق الاجتماعية وحقوق العمل والدخل الشعبي بهدف إنعاش ربحية رأس المال.
وأخيراً، يقوم الاتحاد الشعبي بحديث عن “شطب الجزء الأكبر من الديون، لتتنفس البلاد الصعداء”، معترفا هنا أيضاً بدوره، وعلى غرار باقي أحزاب النظام بأن الشعب هو المسؤول عن المديونية وبوجوب إيفائه لها.
كما تذكر كوادر الاتحاد الشعبي كنموذج لها “بلدان أخرى خارج منطقة اليورو، وهي تسير على أفضل وجه”. ما هي البلدان التي يستشهد بها رئيس الحزب الانتهازي الجديد، لافازانيس؟ إنها: بريطانيا والدانمرك، اللتان لا تنتميان لمنطقة اليورو، وهو واقع لم يُعِق سحق الحقوق العمالية الشعبية في هذه البلدان، في حين تستشهد كوادر أخرى من الحزب المذكور، بجبهة لوبان القومية في فرنسا وبالصناعيين الإيطاليين وقطاع من رأس المال الألماني ...
ما هي علاقة شعوب هذه الدول وشعب اليونان، والأمل بتلبية حاجاته مع تطلعات مستغليهم التي تنعكس ضمن مقترحات سياسية للعملات الوطنية، هي اقتراحات ترتدي “عباءة” الراديكالية من اجل الخداع وإخفاء مضمونها المناهض للشعب؟ إن هذا الفصل الأجوف بين “اليورو والدراخما” يجري بغرض إخفاء الأمر الأساسي عن الشعب وهو أن مسار رأس المال وسلطته هو متوجه نحو المشاركة في الاتحاد الأوروبي والنظام الإمبريالي، وهو ما ينبغي أن يجابهه الشعب، لا أن يصطف مع قطاعات من رأس المال تتغازل مع فكرة وجود عملة وطنية، وفكرة تحالف نقدي مغاير.
في الفراغ ستسقط محاولة الخداع الجديدة
لا ينبغي أن تجد محاولة تركيب سيريزا رقم 2 في وقت تبدد كل الشكوك حول دور سالفه، أي تجاوب في صفوف الشعب الذي عاش سلفاً، الدحض المؤلم لتطلعاته، وليس لديه مجال إلى مزيد من الإحباطات الجديدة وإلى خسارة وقت ثمين على حساب مصالحه.
إن لدى الشعب خبرته وباستطاعته استخلاص الاستنتاجات، ولا ينبغي أن ينخدع مرة أخرى، حيث يستحيل وجود حل في صالح الشعب داخل النظام الرأسمالي وعبر تناوب حكومات الإدارة البرجوازية، من دون القطع مع مسار التطور الرأسمالي والنظام الإمبريالي.
ينبغي أن ندرك أن الشعب مضلل من مقترحات أولئك الذين يبرزون أولوية إعادة البناء الإنتاجي للاقتصاد الرأسمالي، ومن أولئك الذين خدموا هذا الهدف حتى من موقع مناصب حكومية، وأولئك المغازلين لقطاعات من رأس المال ولفكرة يونان رأسمالية مع عملة وطنية، حيث يستحيل على كل هؤلاء اتباع طريق مختلف عن ذلك المؤدي نحو الإفلاس الشعبي. ولا يهم إذا ما كان هذا الإفلاس سيجري عبر إبرام مذكرات من عدمها. وليس حصوله داخل أو خارج منطقة اليورو ذا أهمية. إن الأهمية تكمن في إلغاء محاولة أسر الشعب مرة أخرى ضمن خيار في صالح رأس المال.
ينبغي على الشعب والشرائح الشعبية الفقيرة ذات الأمزجة الجذرية، ألا يسمحوا بأن يكونوا متفرجين في ذات المسرحية ليعيشوا خيبة أمل جديدة. بإمكانهم الآن، سواء في النضال اليومي في مواقع العمل والأحياء العمالية الشعبية، ومع مزيد من الثقة من أي وقت مضى، أن يُسندوا بتطلعاتهم الحزب الشيوعي اليوناني خلال الانتخابات المقبلة، وأن يثقوا به، لأنه لم يخنهم أبدا، ولم يتغيب إطلاقاً عن النضال من أجل الدفاع عن مصالحهم، وذلك لكونه القوة الوحيدة الممتلكة لمقترح بديل فعلي واقعي واعد تتمثل محاوره في فك الارتباط عن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وإلغاء الديون من جانب واحد، وفرض التملك الاجتماعي لثروة البلاد، مع الشعب في موقع السلطة.
(مقال نشره على موقع الحزب الشيوعي اليوناني
قسم العلاقات الأممية باللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني)
بتاريخ 27 أوت 2015