عن الوضع في اليونان ودور حزب سيريزا المناهض للشعب

المسؤوليات الملقاة على عاتق المصفقين لحزب سيريزا
الخميس 30 تموز (يوليو) 2015
par   - الجزائر الجمهورية

مُقدِّمة
وافقت حكومة حزبي سيريزا واليونانيين المستقلين يوم الاثنين 13 تموز/ يوليو وبدعم من جميع الأحزاب البرجوازية، أثناء اجتماع قمة منطقة اليورو على تبنِّي حزمة قاسية من التدابير المناهضة للشعب، هي المذكرة الثالثة التي تذبح الحقوق العمالية الشعبية المتبقية.
ففي يوم الأربعاء 15 تموز/ يوليو، أقرَّت حكومة “اليسار لأول مرة”، وبدعم من أصوات نواب أحزاب الديمقراطية الجديدة والباسوك والنهر، البرجوازية، الاتفاق المُبرم في مؤتمر القمة الذي يتضمن أول حزمة تطبيقية من المذكرة الثالثة التي تُثقل الشعب بتدابير ضريبية قاسية و تلغي حقوقاً تقاعدية، حيث صوت الحزب الشيوعي اليوناني ضد القانون المذكور وأودع اقتراحاً للتصويت الاسمي، صوَّت على أساسه 32 نائباً من سيريزاً برفض القانون و 6 من نوابه “بالحضور”، وامتنع أحدهم عن التصويت قائلا: “إننا نصوِّت ضد المذكرة الجديدة، ولكننا ... ندعم بكل إخلاص الحكومة التي أحضرتها”.
هذا وكانت تجربة خمسة أشهر من حكم سيريزا قد أثبتت أنه لا يريد وهو غير قادر على إعداد الشعب لمواجهة المذكرات و الاحتكارات اليونانية والأوروبية، وذلك بالضبط نظراً لانتفاء امتلاكه لتوجه نحو المقاومة والصدام، بل على العكس من ذلك، فقد ضلل هذا الحزب الشعب بقوله بإمكانية شق طريق مناصر للشعب ضمن حلف ذئاب الاتحاد الأوروبي.
وتشكِّل هذه التطورات تعابير باهرة على فشل ما يسمى ﺑ“اليسار التجديدي” أو “اليسار الحاكم” وكذا النظرية القائلة بإمكانية تغيير طابع الاتحاد الأوروبي الاحتكاري ليغدو صديقاً للشعوب، حيث تتأكد صوابية خط كفاح الحزب الشيوعي اليوناني وصرامة موقفه وثباته من حيث رفض المشاركة في “حكومات يسارية” مماثلة، والتي هي في الواقع حكومات تسيير برجوازية.
وعلى أساس هذه التجربة الملموسة وعبر تجاوز “قصف” وسائل الإعلام البرجوازية، فإن من واجب عمال أوروبا والعالم أن يحاولوا العثور على الحقيقة وأن يستخدموا تطورات اليونان لاستخلاص استنتاجات مفيدة،
وأن يدرسوا ويفحصوا خط نضال الحزب الشيوعي اليوناني مع اختراق جدار تضليل القوى البرجوازية والانتهازية التي تعيش في عالمها الخاص، عالم إدارة همجية الرأسمالية، وتعمل منهجياً لتضليل العمال.

ما هو الوضع الفعلي في اليونان؟
ما هو دور سيريزا الفعلي، وفيما تتمثل مسؤوليات المصفقين له؟
أولا، خلال الأزمة الرأسمالية وظروف عواقبها المؤلمة على الطبقة العاملة والشرائح الشعبية والسياسة المناهضة للشعب التي مارسها حزبا الديمقراطية الجديدة الليبرالي والباسوك الاشتراكي الديمقراطي، بدأت عملية إعادة صياغة واسعة للنظام السياسي البرجوازي، حيث أُضعفت الأحزاب البرجوازية التقليدية التي أصيبت بضرر كبير وعُزِّز حزب سيريزا ومنظمة الفجر الذهبي النازية الإجرامية.
وقفز حزب سيريزا من حزب انتهازي صغير إلى نسب انتخابية عالية خلال انتخابات حزيران/ يونيو 2012، وتبوء المرتبة الأولى في انتخابات كانون الثاني/ يناير 2015، وشكل حكومة ائتلافية مع الحزب اليميني القومي لليونانيين المستقلين.
وكان هذا الحزب قد أوقع بالعمال، طوال هذه الفترة، في فخ الشكل الوهمي “مذكرة جديدة وفي نفس الوقت مناهضة المذكرة الحالية”، مخفياً حقيقة أن المذكرة هي جزء من استراتيجية شاملة لرأس المال، حيث وقف هذا الحزب فوق أرضية مشاكل الشعب المتفاقمة، وقدم وعودا كاذبة بتخفيفها وتلبية مطالب العمال.
و في هذا السياق، وعد سيريزا بأنه سيشرع فورا بزيادة الحد الأدنى للرواتب، وبأنه سيعيد اتفاقات العمل الجماعية وسيلغي ضريبة العقارات، وسيرفع من حد الدخل المعفى من الضرائب، وسيوقف عمليات الخصخصة وغيرها من الوعود.
لكن على الرغم من الشعارات التي استخدمها سيريزا، فهو، عبر الممارسة، قد صاغ استراتيجية اشتراكية ديمقراطية جديدة، وأوضح منذ البداية بأنه سيقوم بتسيير العملية الرأسمالية وسيخدم تنافسية وربحية المجموعات الاحتكارية، وسيطبق استراتيجية الاتحاد الأوروبي، الذي وصفه باعتباره “البيت الأوروبي المشترك”.
ثانياً، واصلت حكومة حزبي سيريزا واليونانيين المستقلين بعد انتخابات عام 2015، نفس سياسات الحكومات السابقة المناهضة للشعب. وقامت بتاريخ 20 شباط / فبراير بتوقيع اتفاق مع (ترويكا) الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، مُقدما على تبني التزامات من أجل الاعتراف بالدَين وسداده، وكذا من أجل “تجنب اتخاذ إجراءات أحادية الجانب”، وعدم تنفيذ الوعود التي سبقت الانتخابات مع الترويج “لعمليات إعادة الهيكلة الرأسمالية”.
وفي المفاوضات التي تلت الانتخابات الأخيرة في بروكسل، أودعت حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين رُزم مقترحات تدابير قاسية جدا ومناهضة للشعب تضمنت في جملتها:

  • الحفاظ على مضمون المذكرات السابقة وجميع قوانينها التطبيقية التي أقرت من قبل حزبي الديمقراطية الجديدة والباسوك، وفرض ضرائب إضافية جديدة تتمثل في (نزع الحقوق التقاعدية، مع تطبيق عمليات الخصخصة و غيرها من التدابير التي تبلغ كلفتها 8 مليار يورو على حساب الشعب). وقد كان اقتراح الحكومة هذا مماثلاً لاقتراح الترويكا الأوربية الذي قُدِّرت كلفة تدابيره المناهضة للشعب بنحو 8.5 مليار يورو. و لم يكن السجال خلال المفاوضات وانسحاب حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين منها في إحدى مراحلها متعلقاً بإبداء المقاومة للدفاع عن المصالح الشعبية، كما يروج لذلك - دون أساس- بعض الأحزاب في الخارج. فقد كانت مصالح الاحتكارات هي المطروحة على طاولة المفاوضات، حيث تمظهرت على هذا الأساس تناقضات أشمل متعلقة بخليطة تسيير الرأسمالية، وبمسيرة منطقة اليورو وموقع اليونان ضمنها (و بما في ذلك Grexit) والتناقضات بين ألمانيا وفرنسا من جهة وبين الولايات المتحدة ومنطقة اليورو من جهة أخرى، وخاصة مع ألمانيا حول موقع الصدارة في أوروبا. ثالثاً، في ظل هذه الظروف، أحضرت الحكومة اليونانية الحالية للبرلمان يوم السبت 27 حزيران/ يونيو، اقتراحا بإجراء استفتاء وحاولت عِبره أسر الشعب بنعم أو لا، تجاه حزمة تدابير الترويكا المناهضة للشعب، رافضةً الاحتكام للشعب حول اقتراحها المناهض له، حيث طالب الحزب الشيوعي اليوناني (في البرلمان) أن يجري الاستفتاءعلى ما يلي: أ) اقتراح الترويكا. ب اقتراح الحكومة. ج اقتراح الحزب الشيوعي اليوناني المتمثل في فك الارتباط عن الاتحاد الأوروبي، وإلغاء المذكرات وجميع قوانينها التطبيقية المناهضة للشعب". ورفضت الحكومة بشكل تعسفي وضع اقتراح الحزب الشيوعي اليوناني للتصويت في البرلمان، وذلك من أجل ابتزاز الشعب واستغلال الأصوات الشعبية باعتبارها موافقةً على اقتراحها للمذكرة الجديدة، حيث قاوم الحزب الشيوعي اليوناني ذلك، وندد بالابتزاز والاحتكم للشعب عبر أوراق اقتراعه الخاص التي طرحت شعار: (لا لمقترح الترويكا الأوربية، ولا لمقترح الحكومة). موقف الحزب الشيوعي اليوناني: فك الارتباط عن الاتحاد الأوروبي ومع الشعب في موقع السلطة". وقد جرى ترويج ورقة الاقتراع هذه في مواقع العمل والأحياء الشعبية، وخارج مراكز الاقتراع يوم الاستفتاء، في حين دعا الحزب الشيوعي اليوناني الشعب لمقاومة هذا الشعار بأي شكل من الأشكال للتعبير عن معارضته للمذكرات الجديدة المتضمنة في الشعار الجديد، حيث طرح الحزب الشيوعي اليوناني في ظروف المعضلات الكاذبة والابتزاز نحو الشعب مقولة أن كلا من “نعم ولا” سيتم استخدامهما لفرض تدابير جديدة مناهضة للشعب. وشكَّل هذا القرار مرجعية كبيرة لشعبنا لمواصلة النضال على أساس مصالحه العادلة، حيث قاوم جزءا هاما من شعبنا. عبر التصويت بورقة اقتراع الحزب الشيوعي اليوناني مصوتاً بأصوات لاغية وبيضاء (تجاوز عددها 350 ألفاً، أي ما يعادل 6٪). واتبع قسم آخر من العمال والشعب مسار الامتناع عن التصويت. ولم يضع الحزب الشيوعي اليوناني أي هدف رقمي في الاستفتاء، وكان موقفه موقفا سياسيا مبدئيا، أعطى رسالة سياسية للشعب بعدم الخضوع لجميع المعضلات الابتزازية، سواء لتلك المطروحة من قبل الترويكا أو المطروحة من جانب الحكومة والأحزاب السياسية البرجوازية الأخرى. رابعاً، أكدت الحقائق بعد يوم واحد من الاستفتاء، في 6 تموز/ يوليو، عِبر أكثر الأساليب نموذجية، على صوابية مواقف وخط نضال الحزب الشيوعي اليوناني، وفضحت الأحزاب التي احتفلت مع سيريزا في الخارج وتلك التي أرسلت برقيات دعم لرئيس الوزراء اليوناني/ أليكسيس تسيبراس. ففي اليوم التالي من الاستفتاء، أجري بمبادرة رئيس الوزراء تسيبراس ومشاركة رئيس الجمهورية، اجتماع للقادة السياسيين الذي أوضح على وجه أفضل ماهية الواقع، حيث وقَّع حزب سيريزا واليونانيين المستقلين والديمقراطية الجديدة والباسوك والنهر، أي جميع الأحزاب البرجوازية، بياناً مشتركاً، ذكر في سياقه، ما يلي: “لا يشكِّل حكمُ الشعب اليوناني الأخير عبارة عن أمر بالقطع، بل كان إيعازاً بمواصلة وتعزيز المحاولات لتحقيق اتفاق عادل اجتماعيا وقابل للحياة اقتصاديا....”، مؤكداً أن كل الأحزاب البرجوازية هي على استعداد للتوقيع على اتفاق مذكرة جديدة مع الترويكا الأوربية على حساب الشعب. هذا وكان الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي اليوناني ذيميتريس كوتسوباس، قد عبَّر عن خلافه خلال اجتماع القادة السياسيين، حيث أدلى في سياق تصريح له بعد الاجتماع: “أعربنا بوضوح مرة أخرى عن وجهات نظر الحزب الشيوعي اليوناني، على حد سواء، تجاه تقدير نتائج الاستفتاء، ولكن بشكل أساسي، تجاه المشاكل الكبيرة التي يعيشها الشعب اليوناني ضمن حلف ذئاب الاتحاد الأوروبي في ظل سياسة تقود به، وباستمرار، إلى مآزق شعبية متفاقمة، تتعلق بالدخل الشعبي، ومسار البلاد ومسار شعبنا إجمالاً، حيث تتبين، مرة أخرى، استحالة وجود تفاوض مؤيد للعمال والشعب داخل جدران الاتحاد الأوروبي وضمن مسار التطور الرأسمالي....إذ لم يقم أي أحد بتوكيل أي أحد بالذهاب وتوقيع مذكرات جديدة، واتخاذ تدابير جديدة مؤلمة لشعبنا. وهي التي ستكون تدابير قاسية”. خامساً، بعد الاستفتاء، أرسلت حكومة حزبي سيريزا واليونانيين المستقلين طلباً نحو آلية الدعم الأوروبي (ESM) لبرنامج قرض مدته 3 سنوات يبلغ نحو 50 مليار يورو، مع عقد اقتراض جديد ومذكرة جديدة، حيث أودعت الحكومة يوم الجمعة 10 تموز/ يوليو، لدى الترويكا (الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) حزمة تدابيرجديدة قاسية واستفزازية ومناهضة للشعب: أي مذكرة ثالثة تبلغ كلفتها الآن أكثر من 12 مليار يورو !!!. وهو ما يزيد 4 إلى 5 مليارات عن حزمة التدابير التي ناقشها قبل الاستفتاء وتم رفضها من قبل الشعب اليوناني عبر الاستفتاء الأخير. وفي نفس اليوم، وضمن نقاش ذي صلة في مجلس النواب، طلبت الحكومة الدعم والتفويض، وحصلت عليهما من أحزاب الديمقراطية الجديدة والباسوك والنهر، البرجوازية، لتوقيع اتفاق المذكرة الثالثة المناهضة للشعب. في حين قام رئيس الوزراء تسيبراس فجر الاثنين 13 تموز/ يوليو، بالإتفاق ضمن قمة منطقة اليورو على قرض جديد بقيمة 85 مليار يورو وعلى حزمة تدابير مذكرة خطيرة جدا ومناهضة للشعب، تذبح فعلياً ما تبقى من الحقوق العمالية الشعبية. وهكذ، فإن النموذجية الفعلية بالنسبة لما ذكر، تكمن في الأمثلة التالية: *- الحفاظ على ضريبة العقارات وعلى غيرها من التدابير الضرائبية القاسية الصعبة التي أقرَّت أيام حكم حزبي الديمقراطية الجديدة والباسوك التي جلبت إلى اليأس ملايين أفراد الأسر الشعبية. وعلاوة على ذلك فُرضت زيادة على معدل ضريبة القيمة المضافة، عِبر تطبيق أعلى معدلاتها البالغ 23% على الأغذية المعلبة وعلى سلع أخرى من أصناف الاستهلاك الشعبي، وإلغاء الإعفاءات الضريبية للمزارعين ورفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة كبيرة في الجُزُر اليونانية، وفي غيرها من المناطق، حيث تعد عديمة الأساس الدعاية الحكومية القائلة بزيادة الضرائب على الشركات الكبرى وملاك السفن، وليس ذلك سوى غيض من فيض، حيث أن الواقع هو الحفاظ على الإعفاءات الضريبية لأصحاب السفن ولرأس المال الكبير، إجمالاً. *- الحفاظ على جميع التدابير المقوضة لنظام الضمان وتقليص المعاشات التقاعدية وزيادة سن التقاعد، وإعفاء أرباب العمل من إسهاماتهم في التأمين. وعلاوة على ذلك فرض تدابير جديدة لإلغاء ما تبقى من قوانين التقاعد المبكر ليكون سن التقاعد عموما 67 عاما، وإلغاء تعويض المتقاعدين ذوي المعاشات المنخفضة جدا، وزيادة اشتراكات الضمان الاجتماعي للعمال وتوحيد صناديق التقاعد، مع تسوية الحقوق نحو مستوى أدنى، مع دراسة إجراءات صارمة إضافية بذريعة استدامة نظام التقاعد. *- الحفاظ على وضع العمل “القروسطي” السائد في مواقع العمل، وتجميد عقود العمل الجماعية، والحفاظ على الرواتب المنخفضة. وعلاوة على ذلك فرض تدابير جديدة مناهضة للعمال بذريعة التكيف مع توجهات الاتحاد الأوروبي لتوسيع الاتفاقات الفردية بين العمال وأرباب العمل وتعزيز التشغيل الجزئي والمؤقت وعلاقات العمل المطاطية. *- تطبيق أدوات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الإمبريالية (التي تعتبرها الحكومة شريكا استراتيجيا)، التي تنص على تحرير المهن، وإلغاء عطلة يوم الأحد وما إلى ذلك. *- الحفاظ على عمليات الخصخصة الجارية حتى الآن، ودفع الخصخصة الجديدة منها، في الموانئ وفي 14 من مطارات الأقاليم والسكة الحديدية، وفي مؤسسة تسيير الغاز الطبيعي وغيرها. *- تأسيس آلية بيع ورهن الملكية العامة من أجل جمع 50 مليار يورو بغرض سداد القروض وغيرها. (خلق 1% فائض أولي في ميزانية عام 2015، و 2% عام 2016 و 3% عام 2017 و 3.5% عام 2018، وتطبيق آلية اقتطاع ذاتي للرواتب والمعاشات التقاعدية والإنفاق الاجتماعي في حال وجود انحراف عن أهداف الميزانيات). هذا وكانت حكومة حزبي سيريزا واليونانيين المستقلين قد استخدمت نفس المعضلة الابتزازية التي استخدمت من قبل حزبي الديمقراطية الجديدة والباسوك وهي القائلة: إما توقيع مذكرة جديدة أقسى أو إفلاس الدولة عِبر Grexit؟. وذلك من أجل الضغط على الشعب لتقبل التدابير المذكورة، حيث كرِّرت نفس المعضلة التي طرحت إبان المذكرتين 1 و 2، وقبل صرف دفعات القروض. وكان على الشعب في كل مرة اختيار “أهون” الشرين، وهو ما يقود في النهاية إلى شرٍّ أكبر. وحتى الآن، حيث يتضح أن طابع سياسة سيريزا المناهض للشعب، يحاول تسيبراس تغذية توقعات كاذبة، مدعيا أن الاتفاق يتضمن إصلاحا للدين (الذي سيزداد مع القرض الجديد) وما يسمى “رزم تنمية”. في حين من المعروف أن الشعب هو من يقوم بسداد الدين في كل الأحوال، وأن “الرزم” التنموية ستوجه، من جديد، إلى تمويل القروض الجديدة. سادسا، وليس هذا فقط، بل إن تمظهر السياسة المناهضة للشعب التي تتبناها حكومة حزبي سيريزا واليونانيين المستقلين هو واقع أيضاً في السياسة الخارجية، فقد قدمت الحكومة اليونانية في غضون خمسة أشهر دعما قويا لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة والمحور الأوروأطلسي، إذ لم تحافظ فحسب على القواعد الأمريكية الأطلسية، بل تعهدت بتعزيزها في سوذا التي تعتبر دماغ التدخلات الامبريالية والحروب في المنطقة، وقاعدة آكتيو (للرادارات الطائرة) ومقراتها الاستراتيجية في ثِسالونيكي، ولاريسا وغيرها. وأعلنت الحكومة أنها وبعد التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية ستقوم بإنشاء قاعدة أطلسية جديدة في بحر إيجة، في جزيرة كارباثوس،. وعبر مواقف حكومية رسمية تعهدت بوضع القوات المسلحة وقواعد عسكرية للحروب الإمبريالية الجديدة في المنطقة، تحت ذريعة مواجهة الجهاديين و “حماية السكان المسيحيين”. وهي تشارك في مناورات عسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وترقي من علاقاتها العسكرية والسياسية والاقتصادية مع دولة إسرائيل التي تواصل احتلالها وعداونها الوحشي على الشعب الفلسطيني، حيث تطبق ما يسمى “سياسة متعددة الأبعاد” مع روسيا والصين وبلدان البريكس من زاوية تعزيز مصالح المجموعات الاحتكارية ورفع مكانتها في رقعة شطرنج الطاقة في سياق التناقضات الإمبريالية الأشمل. وهي تورط شعبنا في مغامرات جديدة. بعض الاستنتاجات الناجمة عن المعطيات السابقة: لقد كان ذلك من المتوقع حدوثه، ولكن المشكلة الكبرى تكمن في مواقف بعض الأحزاب الشيوعية التي أعادت إنتاج مواقف سيريزا، وكانت تقدمه كقوة مقاومة ضد الاتحاد الأوروبي، متسترة على واقع كون سيريزا مدافعا عن حلف الذئاب الأوروبي وعن حلف شمال الأطلسي، وهو حزب يسير النظام الرأسمالي الهمجي. وقد تمت تحية هذه القوى “غير المؤيدة للشعب” خلال الاستفتاء، مخفية حقيقة وجود “نعم” سيريزا خلفها، التي تتبنى مذكرة جديدة وتدابير جديدة، التي ستواصل، بالتأكيد، استنزاف شعبنا. وقامت هذه الأحزاب بتضليل عمال بلدانها، عن قصد أو عن غير قصد، وربطت موقف الحكومة اليونانية بالدفاع عن “السيادة الشعبية”، ولكن الواقع يؤكد استحالة السيادة الشعبية في حالة إحاطة الشعب بابتزازات قوى راس المال، وخاصة حينما يكون عاطلا عن العمل وجائعا. إنه ضحية الرأسمالية والرأسماليين الذين يمتلكون سلطة وملكية وسائل الإنتاج، وينهبون الثروات التي ينتجها العمال. لقد توجه موقف هذه الأحزاب الشيوعية موضوعيا ضد نضال الحزب الشيوعي اليوناني، وعمل ضد مصالح الطبقة العاملة والشرائح الشعبية في اليونان وفي كل بلد، لأن دعم الاشتراكية الديمقراطية الجديدة يقوي عدو العمال ويزرع الأوهام والالتباسات. ولا يوجد هناك عذر في مواقفهم تلك، حيث أن مسؤولياتهم كبيرة. وقد تم انخفاض مواقف هذه الأحزاب التي تسترت على مواقف الحزب الشيوعي اليوناني، حيث نظمت تظاهرات دعم لسيريزا وللاشتراكية الديمقراطية، كما استخدمت من قبل سيريزا وفي الممارسة العملية. على سبيل المثال تظاهرات باريس وروما وبروكسل ونيقوسيا ولشبونة وغيرها من العواصم، وبمعزل عن منظميها والشعارات المستخدمة، باعتبارها ذريعة “يسارية” لتعزيز موقف “اليسار” وظهوره بمظهر “المنقذ” ليفرض على العمال اليونانيين تدابير جديدة مناهضة للشعب. ونحن لا نتكلم عن هذه المسائل لأول مرة، حيث لا تزال عواقب التأثير الانتهازي على خطوط الحركة الشيوعية مع تبعات الثورة المضادة مؤلمة للغاية. بل كما هو معروف كان حزبنا قد أعرب بثبات (منذ سنوات عديدة) عن تضامنه الأممي، حتى مع أحزاب شيوعية تصطف اليوم بجانب خصوم الحزب الشيوعي اليوناني السياسيين، حيث يتَّبع الحزب الشيوعي اليوناني موقفا مبدئيا وعليه سنواظب هذه الأحزاب في تبني مواقفها. ومع ذلك، فمن اللازم فتح نقاش علني والوصول إلى خلاصات ضمن الحركة الشيوعية الأوروبية والأممية، من خيارات الأحزاب الشيوعية التي اصطفت بجانب الاشتراكية الديمقراطية، حيث ينقاد كل من يفقد البوصلة الطبقية الثورية، إلى تسيير الرأسمالية، على الرغم من احتفاظه بالعنوان الشيوعي، وحتى لو كان ذا مرجعية شكلية اشتراكية. وهذا ما أكدته التجربة التاريخية، وهذه هي مشكلة بعض الأحزاب الإصلاحية التي تستخدم المزاعم بصدد الانعزالية لتجريم الكفاح الثوري ولإخفاء تراجعها الخاص عن مبادئ الماركسية اللينينية وكذا خيارها في الإدارة البرجوازية. وقد فتحت التطورات الخيرة مواضيع جادة ينبغي نقاشها على نحو أكبر، حيث تعمل الأحزاب الاشتركية الديمقراطية على غرار سيريزا وبوذيموس من أجل تضليل الطبقة العاملة وضمان تسيير الرأسمالية بشعارات يسارية زائفة. وعبر الممارسة العملية، أثبت مثال سيريزا مرة أخرى أن ما يسمى بـ “الحكومات اليسارية” هي شكل من أشكال إدارة وإعادة إنتاج الاستغلال الرأسمالي وزراعة الأوهام ونزع سلاح القوى الشعبية، وأنها تؤدي إلى تعزيز القوى المحافظة وعودة الحكومات اليمينية، إذ تؤكِّد أمثلة “الحكومات اليسارية” في فرنسا وإيطاليا وقبرص والدانمارك، ولكن أيضا في بلدان أمريكا اللاتينية هذا التقييم. كما لا يشكل الموقف القائل باستبدال عملة اليورو بعملة اليونان الدراخما حلا مؤيدا للشعب، وهو موقف تدعمه مختلف الزمر اليساروية وكوادر سيريزا التي صوتت ضد المذكرة الثالثة في البرلمان، حيث يشكل هذا الموقف “ذراً للرماد في عيون العمال”. فالعملة وحدها تعجز عن حل أي مشكلة لصالح الشعب، إذ سوف يستمر الاستغلال الرأسمالي، لأن ما يحسم التطورات هو ماهية الطبقة الاجتماعية الممتلكة في أيديها للسلطة ووسائل الإنتاج، وليس محاولة تفسير التطورات عبر مواقف تقدِّم اليونان باعتبارها “مستعمرة” أي أساس موضوعي، فهي تحذف أهداف ومصالح الطبقة البرجوازية، ولا تأخذ بعين الاعتبار عدم تكافؤ التطور الرأسمالي والعلاقات غير المتكافئة بين الدول الرأسمالية، حيث أن خيار البرجوازية السائد هو بقاء اليونان في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ويشكل التنازل عن الحقوق السيادية اختيارا واعيا يهدف إلى تحصين الرأسمالية وخدمة مصالح الاحتكارات عِبر التحالفات الإمبريالية، حيث يحجب تركيز الاهتمام على موقف ألمانيا ومحاولة تفسير التطورات عبر المزاعم حول “انقلاب شويبلة” جوهر المزاحمات الامبريالية البينية والمصالح المتصادمة. وليس لاختيار حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين حلفاء لها على سبيل المثال كالولايات المتحدة وفرنسا، أية علاقة بالمصالح الشعبية، ولكن بمصالح المجموعات الاحتكارية، وهي بذلك تورط شعبنا على وجه أكبر ضمن خيوط المزاحمات الإمبريالية، حيث أن نموذجية التصريحات الأخيرة لكادر سيريزا ونائب رئيس الوزراء تكمن في هذا الإطار، وخاصة حين صرَّح هذا الأخير قائلا: “يجب أن نشكر علنا حكومة الولايات المتحدة والرئيس أوباما، لأن احتمال فشلنا كان قائما، لولا مساهمته وإصراره على أن يشتمل الاتفاق على مسائل الديون والأفق التنموي”. نضال الحزب الشيوعي اليوناني: لقد مضى الحزب الشيوعي اليوناني قدما بعد إثراء استراتيجيته على أساس الحاجات المعاصرة للصراع الطبقي، متجاوزا “المراحل الوسيطة” لإدارة النظام الاستغلالي ومختلف تلاوين الحفاظ على الديمقراطية البرجوازية، ومدافعا عن حتمية الثورة والبناء الاشتراكيين. لقد استخدم حزبنا خط الكفاح المناهض للرأسمالية والاحتكارات وخط حشد القوى العمالية الشعبية وإعدادها لإسقاط الرأسمالية ومن أجل السلطة العمالية الشعبية، ومن أجل الاشتراكية، رافضاً التعاون مع حزب سيريزا الاشتراكي الديمقراطي وأي مشاركة في حكومة إدارة برجوازية. وقدم الحزب ردا حاسما خلال انتخابات 2012، مواصلا في ظل ظروف صعبة عمله الإيديولوجي السياسي المستقل ونضاله الجماهيري على أساس معيار الحاجات المعاصرة للأسر العمالية الشعبية، وخاض معركة انتخابات عام 2015، وزاد من قواه، واستخدم مجموعته البرلمانية ذات الـ 15 عضوا لإبراز المشاكل الشعبية، مع إيداع مشاريع قوانين هامة، كاقتراح إلغاء المذكرات وقوانينها التطبيقية، وهو الاقتراح الذي ترفض الحكومة مناقشته في البرلمان مند خمسة أشهر. ويستخدم الحزب مجموعة نوابه في البرلمان الأوروبي كرديف للعمال، مع اكتساب مستوى جديد من المداخلات السياسية الهامة بعد خروجه من مجموعة اليسار التي تحولت إلى فرع لحزب اليسار الأوروبي. وتمثلت مواصلة هذا الصراع السياسي بموقف الحزب الشيوعي اليوناني الأبي في الاستفتاء الأخير الذي كشف عبره عن سياسة حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين المناهضة للشعب، وسياسة الترويكا والأحزاب البرجوازية التي تدعم “البقاء في الاتحاد الأوروبي بأي ثمن”، حيث قدم الحزب الشيوعي للشعب طرحه الخاص. إن حزبنا يتدخل بشكل حاسم في التطورات السياسية، ويكافح ضد الصعوبات ونقاط الضعف، ويعمل بلا كلل في مواقع العمل وضمن الحركة العمالية الشعبية، ويتصدر نضالات الطبقة العاملة والفلاحين والشرائح الوسطى والشباب. ويواصل الحزب نشاطه الأممي، ويعزز علاقاته مع عشرات الأحزاب الشيوعية في جميع أنحاء العالم، ويحاول مناقشة تجربته مع الشيوعيين والشيوعيات، ومع قوى عمالية طليعية خارج اليونان. إن هذه الواجبات جادة للغاية، حيث يرمي الحزب الشيوعي اليوناني الثقل في تنظيم مقاومة العمال لاتفاق حكومة سيريزا واليونانيين المستقلين المناهض للشعب، ولتصعيد المطالب وتطوير حركة مطلبية جماهيرية لاسترداد الخسائر وتغطية الحاجيات المعاصرة. وتقوم الحركة العمالية ذات التوجه الطبقي المتمثلة بجبهة النضال العمالي “بامِه” وغيرها من التجمعات النضالية الأخرى، ببذل محاولات لتنظيم حركة التضامن ودعم أولئك الذين يعانون من البطالة والفقر، ودعم المتقاعدين والعمال الذين يقفون في طوابير البنوك للحصول على جزء صغير من راتبهم أو معاشهم التقاعدي، للحد من التبادلات المصرفية، وذلك عبر لجان النضال في مواقع العمل والمصانع والمستشفيات والسوبر ماركت والخدمات، ومن خلال تحريك “اللجان الشعبية” في الأحياء، حيث تشكل هذه بدورها أدوات ثمينة لتعزيز الكفاح الشعبي. إننا نواصل على هذا الطريق وندعو الطبقة العاملة والشرائح الشعبية لتتبنى، جماهيريا وبحسم، اقتراح الحزب الشيوعي اليوناني لأفضل تنظيم ممكن للعمال والعاملات وإعادة بناء الحركة العمالية من أجل تعزيز التحالف الشعبي بين الطبقة العاملة والمزارعين وغيرهم من الشرائح الشعبية الفقيرة من أجل تعزيز النضال من أجل تغييرات عميقة وجذرية، بغية فرض التملك الاجتماعي للاحتكارات، مع تخطيط مركزي علمي للاقتصاد، وفك الارتباط عن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وتطوير علاقات المنفعة المتبادلة مع دول وشعوب أخرى، مع إلغاء من جانب واحد للدين، حيث تكون الطبقة العاملة وشعبنا في موقع السلطة فعلا. 28.07.2015 عن موقع الحزب الشيوعي اليوناني 29 جويلية 2015