روسيا تعيد ضبط إيقاع الميدان السوري

الخميس 15 تشرين الأول (أكتوبر) 2015

لقد انتقدت الإدارة الروسية مراراً النظام السوري، واعترفت أنه يحتاج إلى (عملية تغيير سياسي)، لكنّ رغم ذلك أصرت هذه الإدارة على دعمها للرئيس السوري، ولم تصدر عنها أي إشارة توحي بأنه يجب أن يتنحى كجزء من أي عملية انتقال سياسي، كما تطالب بعض الدول الغربية والخليجية وجزء واسع من المعارضة الخارجية. وموسكو هي أكثر الأطراف الدولية تواصلاً مع طيف المكونات السياسية السورية، فهي التقت أعضاء من الائتلاف السوري وهيئة التنسيق وأطراف معارضة داخلية أخرى، كما استضافت أيضاً عدداً كبيراً من المسؤولين الدوليين والعرب، ومنهم مسؤولون من تركيا وإيران والمملكة السعودية، فضلاً عن مؤتمري موسكو1 و2 المتعلقين بالحل السياسي في سورية.
وفي مقابل ذلك وعلى مدى أربع سنوات ونصف قامت الإدارة الأمريكية بإدارة الأزمة السورية ليس على الصعيد الداخلي العنفي، بل على الصعيد الدولي أيضاً، فهي من جعلت الشأن السوري الموضوع الأهم لماكينات الإعلام العالمية، والمؤسسات الدولية وجمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، ودفعت حلفاءها إلى مؤتمرات تارة لمحاربة النظام السوري (أصدقاء سورية)، وتارة أخرى لمحاربة المعارضة (التحالف الدولي لضرب داعش)، لكن في مكاتب القرار الأمني (البنتاغون) حيث عمق الاستراتيجية الأمريكية، هي من أدارت عبر حلفائها الإقليميين اللعبة الدموية بين مجموعات الفاشية الإسلامية فيما بينها، ومع الجماعات نفسها ضد الجيش السوري، وأرسلت الأسلحة (غير الفتاكة)؟ ، ودعمت (المعارضة المعتدلة)؟ ، وجمعت مجلس الأمن لمناقشة حتى مظلومية الشاذين جنسياً في سورية، على ما ذكره سفير سورية في الأمم المتحدة 23 الشهر الماضي على إحدى المحطات الإخبارية المعروفة، في الوقت الذي تنزف فيها حلب ودمشق بقذائف الهاون، وكل هذا في الحقيقة ليس إلا تضليلاً ما انفكت الإدارة الأمريكية تمارسه منذ اللحظة الأولى لاندلاع الأزمة السورية.
وهكذا بعد أربع سنوات من تدخل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وبإشرافها المباشر في الأزمة السورية، يعلو الاحتجاج الأمريكي وتتباكى على إعلان روسيا دعم النظام السوري ضد الفاشية الإسلامية التي كادت أن توصل كيان الدولة السورية إلى الانهيار الشامل. ولايخفى أن الإدارة الأمريكية لم تكن لتمانع وصول الوضع السوري إلى مايشبه السيناريو الليبي، مع ما يتضمنه ذلك من ضرب للمصالح الحيوية الروسية في سورية والبحر المتوسط، وهو ما دفع روسيا لخوض معركة الدفاع عن هذه المصالح في المنطقة عبر القوة المباشرة.
وأشارت مصادر غربية إلى أن روسيا قد أرسلت فريقاً عسكرياً متقدّماً إلى سورية، ونقلت وحدات سكنية جاهزة لمئات من الأفراد إلى مطارٍ بالقرب من اللاذقية (نيويورك تايمز). وأن روسيا سلّمت أيضاً محطةً قابلة للنقل لمراقبة الحركة الجوية إلى مطار (حميميم)، وقدّمت طلبات للتحليق العسكري حتى شهر سبتمبر (تايمز)، وفعلا بدأت طلائع الجنود الروس بالوصول إلى الأراضي السورية (ديلي ميل/8 سبتمبر). وتأتي تقارير متتابعة من مراكز دراسات أمريكية تشير إلى أن الجيش الروسي نقل طائرات من دون طيار، ومنظومات دفاع جوي متقدمة، ومركزاً متنقلاً لمراقبة الحركة الجوية، ودبابات حديثة مع طواقمها من نوع (تي-90)، وعربات مدرعة من نوع (بي آر تي 82) إلى الساحل السوري. إن نقل دبابات (تي 90) وطائرات من دون طيار عالية الجهوزية يشير بقوة إلى أن الجيش الروسي سيشارك بمعارك هجومية. وهذا ما تحقق عندما أعلنت وزارة الدفاع الروسية في 30 سبتمبرتنفيذ الجيش الروسي 20 غارة على مواقع للمعارضة الأصولية في وسط سورية، في كل من تلبيسة والرستن وعيدون والزعفرانة وتلول الحمر وديرفول ومحيط مدينة السلمية، لتتواصل بعد ذلك عشرات الغارات الجوية الروسية اليومية.
من هذا المنطلق صار الوجود الروسي في سورية معياراً يحدد وجهة تبدل منطقة الشرق الوسط. وحين نقول معياراً، فذلك مبني على صيرورة تطور أحداث الأزمة السورية، الذي تمحور حوله صراع دولي قطباه الأساسيان الولايات المتحدة وروسيا. إن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على تقسيم سورية، بغض النظر عن نوع التقسيم، أما السياسة الروسية فهي ذات طابع يقوم على مبدأ الحفاظ على وحدة الدولة السورية في هذه المرحلة، وهدفها الدفاع وتقييد المخاطر الناتجة عن الاستراتيجية الأمريكية، التي اعتمدت عبر حلفائها الخليجيين والأتراك استراتيجية الفوضى في سورية، ضمن آليات سيطرة وتوجيه لتطورات الميدان السوري، وأدى في الشهرين الأخيرين إلى انتكاسات كبرى للدولة السورية مع تمدد (جبهة النصرة) في الشمال و(تنظيم الدولة الإسلامية) نحو الغرب وملامسته القلمون. كل ذلك تحت مسمى (التحالف الدولي لضرب داعش) الذي ثبت بعد عام من انطلاقه أنه ليس أكثر من ضابط تقني لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية لكل من سورية والعراق إلى صيغة جديدة كلياً. ونعتقد أن إعلان فرنسا، إحدى أشد الدول عداوة للشعب السوري، الشهر الماضي البدء بتنفيذ مهمات قصف جوي في سورية ضمن التحالف سابق الذكر، كان الإشارة الأكثر عملانية لاتخاذ القيادة الروسية القرار بالدخول المباشر في الصراع على سورية.
عن النور 11 أكتوبر 2015