الصهيونية حركة كولونيالية

الثلاثاء 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2015

نشر الصحفي بن درور اليميني مقالًا مطولًا في صحيفة “يديعوت أحرونوت”في ملحق “العيد” بتاريخ 22/9/2015، يحمل الكثير من الطروحات التي تشوه التاريخ وتقلب الحقائق وتهدم كل إمكانية أمام الشعب الإسرائيلي لمراجعة ذاته، وإعادة النظر السياسي والاجتماعي والإنساني تجاه معاناة الآخر وتهميشه واضطهاده، واقصد بذلك معاناة الشعب العربي الفلسطيني.
ففي بداية هذا المقال يقول هذا الصحفي بما معناه ما يلي: “الكذب”: “الصهيونية هي حركة كولونيالية، قمتم باحتلال بلاد ليست لكم من الفلسطينيين”. وفي هذا المقال يهاجم الحركة العالمية التي تدعو إلى مقاطعة إسرائيل ألا وهي منظمة .BDS
وفي إجابته على هذا “الكذب” بحسب رأيه الذي نشرته منظمة BDS، يقول هذا الصحفي بأن الحركة الصهيونية هي حركة تحرر قومي، مثلها مثل العديد من الحركات التي قامت في القرن التاسع عشر والعشرين. والصهيونية لم تحتل الكثير من اليهود الذين تم مطاردتهم خاصة في شرق أوروبا والدول العربية الذبن بدأوا بالوصول إلى ارض إسرائيل. لم يكن حينها وجود لشيء اسمه فلسطين. لقد كانت (فلسطين) جزءًا من الأرض يسكنها القليل من الناس، تحت سلطة الإمبراطورية العثمانية. توجه هرتزل للسلطان التركي ولشخصيات أخرى من اجل الموافقة على إعطاء هذا الجزء من الأرض لليهود. وتمت الموافقة على ذلك عام 1917، من خلال وعد بلفور، بإعطاء وطن قومي لليهود. حتى قيام دولة إسرائيل عام 1948 لم يتم طرد أي عربي من أرضه، وكل قطعة ارض سكن عليها اليهود تم شراؤها بالمال".
وللرد على هذا الطرح غير العلمي والبعيد كل البعد عن الحقائق التاريخية، على كل إنسان تقدمي ثوري قومي أممي، وأممي – قومي أن يرفض هذا الطرح. فالصهيونية هي إيديولوجية البرجوازية اليهودية، وهي من تقييحات وإفرازات الامبريالية العالمية في مرحلة أزماتها.
فالصهيونية هي إيديولوجية التعصب القومي والشوفينية والعرقية التي ترتكز على الموضوعة اللاعلمية القائلة بوجود شعب“أمة” يهودي عالمي خاص مركزه دولة إسرائيل، وسياسة موالية تخدم الامبريالية العالمية. وفي العقود الأخيرة تمارس الصهيونية سياسة امبريالية تخدم مصالح طبقة رأس المال الحاكمة في إسرائيل والبرجوازية الكبيرة اليهودية الأصل (أمثال شلدون إدلسون، وتسبان في أمريكا، وتشوفا وغيره في البلاد)، المتلاحمة مع الأوساط الاحتكارية والشركات العابرة للقارات في الغرب الإمبريالي وفي المقام الأول في الولايات المتحدة الأمريكية. ويتطابق ظهور الصهيونية على المسرح التاريخي من حيث الزمن مع تحول رأسمالية المزاحمة الحرة إلى امبريالية.
نشأت الصهيونية وتطورت وتنامت بحماية وتشجيع حكومات العديد من البلدان الامبريالية التي كانت تتنافس فيما بينها في السعي إلى وضع هذا التيار القومي العنصري التعصبي في خدمتها، وخاصة بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وقبل ظهور المنظمة الصهيونية العالمية بزمن طويل، حاكت الأوساط الحاكمة في الإمبراطوريات الاستعمارية مخططات بناء كيان دولة لليهود النازحين في “الأرض المقدسة” – فلسطين – يكون قاعدة ارتكاز للتوسع الاستعماري للغرب الامبريالي في الشرقين الأدنى والأوسط.
كان (لاهارات) السكرتير الخاص لنابليون الثالث أول من رأى جدوى إقامة دولة يهودية في فلسطين في حل “المسألة الشرقية” لصالح القوة الاستعمارية باستغلال تفكك الإمبراطورية العثمانية. وفي عام 1860 ظهر كراس بعنوان “المسألة الشرقية الجديدة” يدعو اليهود إلى العودة إلى وطنهم “تحت الحماية المقدسة لفرنسا المحررة”.
وفي انجلترا ظهرت اهتمامات مماثلة، فلقد أوصى الكاتب الدبلوماسي لورنس اوليفانت بتوطين اليهود في الضفة الغربية لنهر الأردن، وكتب إلى المركيز سالزبوري عام 1878 يقول: “قامت محاولات عديدة في هذا الاتجاه (أي إقامة مستعمرة يهودية في فلسطين) ولكن كان لا بد أن لا تحقق، لأنها تقوم على أساس عاطفي وديني أكثر مما تقوم على منطلقات سياسية واقتصادية. وتبدو الآن الفرصة سانحة بفعل التعاطف الحار الصادر عن معظم الجمهور البريطاني، هذا التعاطف الذي يمكن أن يضمن على نحو مجدٍ تحقيق أهداف سياسية هامة ونتائج مالية ذات قيمة”.
وهكذا راحت الصهيونية تستمد دعمها الثابت من السياسة الاستعمارية لبريطانيا. مثال ذلك أنه بعد المعاهدة الروسية – التركية عام 1883 بين القيصر الروسي والسلطان التركي (بحجة حماية المسيحيين الأرثوذكس في الشرق الأدنى) ردت انكلترا على ذلك وادعت أن لها كذلك من “تحميه” بغية حماية مناطق نفوذها الاقتصادي.
وهكذا أصبحت فلسطين وبخاصة منذ ضعف الإمبراطورية العثمانية وظهور أول مشروع للسياسة الدولية تجاه المسألة الشرقية – موضوعًا للرهان لدى القوى الامبريالية الكبرى المتصارعة.
وقد سبق لنابليون بغية اجتذاب المسلمين إلى صفه في وجه انجلترا – أن أعلن لدى نزوله في مصر أنه يمثل الإسلام الحقيقي، ولكنه حينما اقترب من عكا اقترح إنشاء دولة يهودية في فلسطين ليجتذب إلى صفه رجال المال من اليهود وذلك بغية الوقوف في وجه انجلترا كذلك.
وقد ورد في رسالة وجهها حاييم وايزمن إلى ونستون تشرشل انه يعتبر نابليون “أول صهيوني معاصر من غير اليهود”. والحق أن نابليون كان أول رئيس دولة عرض قيام دولة يهودية. ومن هذا المنطلق نرى بان الصهيونية ظاهرة ولدتها الامبريالية.
وهذا النوع الأشد إغراقًا في الرجعية بين أنواع التعصب القومي البرجوازي اليهودي – قد كانت منذ نشوئها عدوًا من ألد أعداء الفكر التقدمي الأممي الإنساني ومن ألد أعداء الماركسية.
في عام 1920 كتب ونستون تشرشل، معربًا عن رأي الأوساط الحاكمة والانجليزية أنه يعتبر الصهيونية “ردًا على الشيوعية العالمية في المسألة اليهودية. وانه”ينبغي“لهذا السبب”ان تظفر“الصهيونية”بروح الشعب اليهودي“. فالصهيونية التي نادت بنفسها على نحو ديماغوغي”حركة التحرر القومي للشعب اليهودي"، قد كشفت، منذ أولى خطواتها، لا جوهرها البرجوازي فحسب، بل أيضًا، جوهرها الاستعماري الموالي للامبريالية.
وهذا ما اعترف به صراحة آباء الصهيونية أحيانًا كثيرة. فقد كتب هرتزل مثلا يقول: “برنامجي برنامج استعماري”.
وكتب هرتزل أيضًا: أنه ينبغي على الصهاينة أن يبنوا في فلسطين “مخفرًا” أماميًا للحضارة مقابلا للبربرية، وعلى ارض الواقع اليوم تقوم إسرائيل بدور القاعدة الأمامية للامبريالية العالمية في منطقة الشرق الأوسط.
وفي رسالة إلى بليفه وزير الداخلية في روسيا بتاريخ 5 أيلول عام 1903، أعلن هرتزل أن الصهيونية وسيلة بمقدورها أن تحد من تأثير الحركة الثورية في روسيا على الشبيبة اليهودية. وفي سنة 1919 اعترف زعيم الصهاينة الأميركيين وعضو المحكمة العليا في الولايات المتحدة بريندايس صراحة انه اهتم بالصهيونية “لأسباب أمريكية” بوجه الحصر، أي بحثًا عن السبل للحيلولة دون انتشار الأفكار الثورية بين اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية.
وأخيرا من الممكن الكتابة حول هذا الموضوع، أي كون الحركة الصهيونية حركة كولونيالية بشكل موسع، ولكن نكتفي بهذا، وسأتطرق إلى باقي الطروحات الأخرى المشوهة للحقائق والتاريخ في هذا المقال أي مقال بن درور يميني في مقالات قادمة.
عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة
السبت 3 أكتوبر 2015


Navigation

Articles de la rubrique