الأزمة السياسية و الاقتصادية، ما هي الآفاق المتاحة للعمال؟*

الاثنين 17 آب (أغسطس) 2015
par   - الجزائر الجمهورية

أدى انهيار أسعار البترول إلى نقص كبير في مداخيل البلاد. إذا استمر الوضع على هذه الحالة، سيؤدي ذلك إلى تفاقم التناقضات الاجتماعية الداخلية. في الواقع لا يوجد أي أثر سلبي حتمي على المستوى المعيشي للفئات الاجتماعية الشعبية. يمكنهم العيش بطريقة ملائمة حتى و إن تضائلت المداخيل البترولية بشكل حاد. و ذالك لأن جزء كبيرا من هذه المداخيل تستحوذ عليها الطبقات الاجتماعية المستغلة من الاتجاريين و الطفيليين، و تبذر بشكل غير منتج. فعدم حتمية الأثر السلبي لانهيار أسعار البترول يشترط أن تتم قيادة البلاد من طرف نظام يكون في استماع و في خدمة الجماهر الشعبية، نظام مصمما على القضاء على نهب ثروات البلاد على يد أقلية. شرط أن يفرض العمال هذه التغييرات و لا يستسلامون مرة ثانية على غرار ما حدث سنة 1985 بعد الانهيار الفض لسعر البترول. في تلك الفترة ما استطعوا الدفاع عن نفسهم. صحيح أن التيارات المتخفية تحت راية الإسلام قد قامت بمهمتها. بدعم شيطاني من النظام، تم اعتماد أحزابهم لتحويل استياء فئات واسعة من الشعب نحو أوهام و الشروع في تصفية التيارات التقدمية للمجتمع، و القضاء على الروح النضالية للعمال.

ان التاريخ يميل إلى اعادة نفسه. ففي سنة 1985، عنون كمال بلقاسم مدير الجريدة الأسبوعية “أحداث الجزائر” و الناطق لمناصري الرأسمالية في السلطة الصفحة الؤلى بصرخة “تحيا الأزمة!”. في 2015 مثل الانهيار الجديد لسعر البترول نعمة بالنسبة للرأسماليين وطنيين و أجنبيين. و هي نعمة كذلك لكل من اعتبر أن آن الوقت المناسب لإتمام تصفية الانجازات الاجتماعية المتبقية رغم الثورة الاجتماعية المضادة التي شنت نهاية سنوات 1980 و خلال سنوات 1990 تحت غطاء “الإصلاحات”. كل من أراد تسريع الوتيرة لفرض مرونة العمل، و رمي فكرة العقد غير محدود الأجل الى المزبلة، حذف النقابات العمالية أو تطويعها، تقليص الضرائب المفروضة على الشركات، - أي إثراء الرأسماليين- التصديق على العمل غير المصرح به، إلغاء سقف المدة القانونية للعمل، التخلص من كل رقابة حول خروج العملات الصعبة، الانتهاء من إخضاع الطب لقانون الربح، إلخ .، و تطول قائمة تطلعات الفئات المستغلة و الاتجارية، كل من يقيسون “التنمية” إلا من زاوية إرغام العمال على الانصياع، يقفزون من شدة التلهف. من جهة، فإن المحامون السياسيون للبرجوازية و الشركات متعددة الجنسيات، ينتقدون النظام حتى يتقدم أكثر و أسرع في عملية تصفية القوانين الاجتماعية، الإخضاع التام للدكتاتورية الامبريالية. و مع ذلك فإن النظام يسير على هذا النحو باستعمال الحيلة و بالوتيرة التي يراها “واقعية” من وجهة نظر موازين القوى الداخلية. يحرص على عدم فقدان السيطرة على الوضع. يحتال من أجل تفكيك أخطار الانفجار التي قد تؤدي إليه اتخاذ تدابير “غير موزونة الأثر” من شأنها أن تلغي كل ما تحصلت عليه البرجوازية و الاتجاريين إلى حد الآنفي ضل اللبرلات و خاصة الإرهاب خلال سنوات 1990.إنه يحقق أمنيات كل الفئات المحضوضة. يتغاضى عن الممارسات النذلة أو يشجعها. لا يحرك ساكنا لوقف تسرب رؤوس الأموال، يتقبل تضخيم فواتير السلع المستوردة، و لا يتحرك للقضاء على التهرب الضريبي، للعمل غير المصرح به، لا يهتم بشأن العمال المفصولين عن العمل بسبب مطالبتهم بحقوقهم، و يتعرضون لمتابعات قضائية بسبب “إضراب غير شرعي”. رغم إهانة رئيس أمن لافارج العلم الوطني تحت قدميه، إلا أن السلطات لم تعر ذلك أي اهتمام، بينما تلقي برسامي الكاريكاتير في السجون إذا سولت له نفسه مضايقة مسؤول سامي.

فُقِدت الثقة في النظام. و هذا ما يقلق القوى الامبريالية دون شك. تهذف خطتهم إلى تعويض الساسة الحاليين بوجوه جديدة يستمرون في نفس السياسة لكن مع نشر أوهام تسهل تسريع وتيرة إخضاع الجزائر لمصالحهم بشكل كامل. نشهد انتفاضة لمناصري الرأسمالية “الأكثر همجية” (1) للحط من قيمة العامل وجعله عاملا قابلا للرمي و دون حقوق. كل هذا تتم المطالبة به تحت راية التخلص من “الشعبوية”، ما سيضع حدا لتبعية المحروقات على حد تعبيرهم. ونلاحظ أنه لا يأتي على خاطر أحد من أرباب العمل، رؤساء الأحزاب، كتاب افتتاحيات الصحف، المستشارين الاقتصاديين و الجامعيين الذين اختاروا فريق الرأسمالية، أن يطالبوا بإجراءات عقلانية، مع أنها ليست مناهضة للرأسمالية في مضمونها: مراقبة الثروات و تحديدها، زيادة الضرائب بالنسبة للأثرياء، فرض رسوم مرتفعة على واردات الممتلكات الفاخرة، تسعير تدريجي للكهرباء بالنسبة للأثرياء، محاربة التهرب الضريبي، إلخ.

يوجد تواطؤ بين المستغلين و الاتجاريين المحليين و الأجنبيين. ربطت البرجوازية مصيرها بالامبريالية. الرئيس الجديد لمنتدى رؤساء المؤسسات، الذي سمحت له معارفه البارزة مع النظام بالحصول على ثروة هائلة خلال بضعة سنوات، ينحني أمام كل ممثلي القوى الإمبريالية بالجزائر العاصمة. انه يشجعهم في تدخلاتهم التي لا الحكومة و لا “المعارضة الإسلامية الديمقراطية” لم يسبق لهم و أن أدانوا. عندما وجه بن فليس “الرجل الأكثر ديموقراطية” في النظام، و الذي انتقل إلى جانب “المعارضة”، رسالة بمناسبة الانتخابات الرئاسية 2014 لـ أرباب العمل لإعلامهم عن استعداده لحذف قاعدة 51% / 49% (2) و تعميم مرونة العمل حتى تصبح المؤسسة تنافسية في السوق العالمية، أليس هذا مؤشرا ظاهرا لهذا الارتباط بين رأس المال المحلي (3) و رأس المال الأجنبي على حساب العمال و المصالح العامة للبلاد؟ عندما عبر نفس الشخص عن رغبته في الدخول في المزايدة السياسية مع بوتفليقة بترحيبه بزيارة جون كيري للجزائر العاصمة العام الماضي، ما الذي يجب أن يفهم من هذه الإشارة المعبرة، إن لم تكن إلا انتقال فيئات بأكملها “للمجتمع الحسن” إلى فريق الرجعية المناهضة للوطن أي مناهضة للعمال؟

تتراكم سحب مضلمة

يحرص النظام الجزائري بعناية عن طريق عدة امتيازات على عدم إزعاج القوى الامبريالية. ما همه في نتائجها على مصالح البلاد و عمالها! إلا أن لهذه البلدان الامبريالية شهية لا حدود لها حيث أن مؤسساتها الرأسمالية الكبرى تطالب باستمرار بفوائد عالية. ومن الظاهر أن أحد أهذافهم يتمثل في الاستحواذ المباشر على ثروات الصحراء.إن تحويل الجزائر إلى دركي يحرص على مصالحهم في إفريقيا و كوسيلة تساعدهم على تحقيق خطتهم في السيطرة على العالم، التي هي جزء من أجندة جيواستراتيجية تحمل تهديدات خطيرة للشعب الجزائري. يحيك الامبرياليون يوما بعد يوم خيوط عنكبوت أكثر كثافة. يجند حركى جدد عبر منظمات غير حكومية أمريكية و أروبية يغرونهم بالمزايا و وعود مساعدتهم على استلام مقاليد الحكم. يأتي الخطر كذلك من العمل الخفي للتيارات الظلامية التي تستمر في مخادعة الناس تحت غطاء الإسلام. استعادت جماعاتها المسلحة الأمل. فإن العوامل التي تحثهم على تحضير أعمال تمرد جديدة معروفة: تنصيب نظام قروسطى على رأس ليبيا عن طريق التدخل العسكري للقوى الامبريالية، الدعم الذي تقدمه هذه القوى للثورة المضادة الظلامية في سوريا. و كذلك يجب التنبيه إلى أن الفوضى في الأذهان التي خلقها العدوان المعلن من طرف العديد من مدوني الأخبار “الديمقراطيين” على النظام السوري الذي يرجع له الفضل التاريخي أن يقاوم بشكل بطولي التحالف المقدس الرجعي-الظلامي-الامبريالي من أكثر بربرية في التاريخ.

تلعب الدول الامبريالية كل الأوراق،تستعمل جميع التيارات السياسية المتواجدة في السلطة أو في المعارضة، من “عصرانيين” و “إسلاميين” . المهم هو أن يكونوا مساندين للرأسمالية. المهم هو خداع الشعب بالتمكن من تنصيب فرق دنيئة تتحكم في الشعب. تشجع نشاط الجماعات المعارضة للتقدم بينما تتظاهر بمحاربة “الإرهاب”، مفهوم مرن تتلاعب به حسب أهذافها التكتيكية. سيبقى ذلك وسيلة ضغط تستعملها لإجبار مختلف تيارات البرجوازية على خدمتها. تفكيك هذه العمليات، إحياء الأمل لدى العمال و الشباب من أجل بديل ثوري للانفصال عن نظام الهيمنة الامبريالية و طابورها الداخلي الخامس، ذلك الرهان الذي يسمح بإخراج البلاد من المأزق.

قادر بدرالدين

(1) تسمية الرأسمالية بـ “همجية” يعتبر لغوا.
إن الرأسمالية في جوهرها همجية و وحده الصراع الطبقي الاقتصادي و السياسي للعمال يمكن إرغامها على منحها امتيازات لإبعاد خطر انفجار ثوري مؤقتا.

(2) بطبيعة الحال فإن ذلك لا يعني أننا ندافع عن “حق” الاتجاريين المحليين في إرغام الرأسماليين على أن يكونوا تابعين لهم. لن يكون لهذه القاعدة أي أثر إيجابي إلا إذا تم تنفيذها من طرف مؤسسة عمومية في إطار مشروع استراتيجي لامتلاك التكنولوجيات الصناعية الضرورية

(3) إن صفة “محلي” تلخص بشكل أفضل طبيعة هذه البرجوازية التي لا تستحق أن توصف بـ “وطنية”

*صدر هذا المقال في العدد الورقي ل “الجزائر الجمهورية” لشهر ماي.


Navigation