استغلال الغاز الصخري لا يشكل أولوية في الوقت الحاضر ينبغي أن تتوجه نشاطات الجماهير إلى المطالب الأكثر أهمية

الأحد 3 أيار (مايو) 2015
par  االجزائر الجمهورية


كثرت في الآونة الأخيرة التظاهرات والاعتصامات في مختلف أنحاء البلاد حول رفض استغلال الغاز الصخري، وعلى الأخص في جنوب البلاد، وفي عين صالح بالذات وغيرها من مدن الجنوب، بل امتدت هذه الحركات الاحتجاجية حتى إلى بعض مدن الشمال
.

لقد أضحى الغاز الصخري أكثر أهمية في عرف هؤلاء المحتجين من قضايا أخرى تحظى بالأولوية وخاصة بالنسبة للعمال والفئات الشعبية، على غرار البطالة التي تضرب البلاد منذ سنوات التسعينات من القرن الماضي، والغلاء الفاحش، أو التهاب أسعار الحاجيات الاستهلاكية اليومية، الذي أرغم العائلات الكادحة والفقيرة على هجرة الأسواق التي سيطر عليها الوسطاء والمتاجرون، والدروس التأهيلية التي لم تعد العائلات محدودة الدخل قادرة على تحمل أعباء دراسة أبنائها، بسبب عجزها على تحمل هذه الأعباء، نتيجة لانخفاض مداخيلها التي قضى عليها الغلاء.. الخ.

قطعا، لا يمكن نعت هذه المظاهرات بالمحافظة أو الرجعية، أو أنها مسيرة من طرف زعماء النيوليبرالية بسبب نزعتها العفوية، أو بسبب الخطأ الناجم عن ترتيب الأولويات، بل لا يمكن توجيه مثل هذا الاتهام إليها حتى لمجرد أنها تحمل طابعا جماهيريا أوما إلى ذلك، ولكن أيضا نرفض بشدة أن تخضع المظاهرات العفوية ذاتها للابتزاز الذي تقوم به ميولات المعارضة النيوليبرالية وتوجهات السلطة الكمبرادورية في آن معا. وكيفما كان الأمر، لا ينبغي أن تحظى هذه المظاهرات بتأييد العمال والفئات الشعبية، مهما كان طابعها أو حجمها. فإن كانت ذات حجم جماهيري كبير فهي، قطعا، لا تعبر عن حاجيات الأغلبية من الشعب، بقدر ما تعبر عن مطالب البرجوازية النيوليبرالية وتخدم مصالحها، وكذا مصالح البرجوازية الكمبرادورية الحاكمة، وبالتالي فإن المطلب الذي رفعه المتظاهرون “لا للاستغلال الصخري” لا يلبي الحاجيات الأساسية للمواطنين البسطاء ولا يشكل في الوقت الراهن أحد مطالبها الملحة. وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يعني اتخاذ موقف معارض للاستغلال الصخري الذي يجري الآن الإعداد له بالأبحاث والدراسات تمهيدا للشروع في استغلاله؟، ألا يعني عدم استغلاله في الظرف الراهن خطأ فادحا؟، أليس عدم الاستغلال هذا، بدون تحديد طابعه، يحطب في حبل الرأسماليين والبرجوازيين في نهاية المطاف؟.

من الناحية المبدئية، يجب أن تستغل هذه الثروة الطبيعية في يوم ما، ولكن المسألة الأساسية هنا هي من يستغل هذه الثروة؟، هل تسند إلى القطاع العمومي أم القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وبالتالي الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات. هذا هو المشكل الأساسي الذي ينبغي أن يطرح، حيث أن القضية لا تكمن في استغلال الغاز الصخري أو عدم استغلاله، بل متى يخضع للاستغلال ومن الذي يستغله، وخاصة أن الأغلبية الساحقة من المتظاهرين ليست على دراية بحقيقة وخلفيات هذه القضية، إذ أن جمهور المتظاهرين خاضع لتحريض البرجوازية الليبرالية الموالية هي بدورها لتعليمات ونصائح القوى الإمبريالية وشركاتها متعددة الجنسيات، ومن ثمة فهذه البرجوازية لها مصلحة في الخلط والتضليل والتحريض في تسيير مظاهرة لا يعرف أصحابها بالضبط في صالح من؟. إن رفع مثل هذا الشعار" لا، لاستغلال الغاز الصخري، الذي يبدو في الظاهر يلبي أغلبية الشعب ويتماشى مع مصالحه، بينما هو في الحقيقة يقع في تناقض مع هذه المصالح، رفع مثل هذا الشعار من الوجهة التي أشرنا إليها يعد خطأ كبيرا، ومهما يكن من أمر، فلا يمكن القول بأن مجرد استغلال الغاز الصخري هو مناقض لمصلحة العمال والفئات الكادحة، بل لا بد من معرفة شروط هذا الاستغلال حتى يجري تقرير ذلك في الأخير. إن الجماهير المتظاهرة، التي رفعت وترفع مطالب فيها الكثير من تضليل وخداع المعارضة الليبرالية، هي بالتأكيد مخطئة في رفع هذه الشعارات، ولذا فهي تخسر مرتين، وهي مقبلة على هذا التظاهر: مرة أمام تغليطات وتضليلات وتحريضات البرجوازية، بما في ذلك تلك البرجوازية الحاكمة، ومرة ثانية إزاء طبيعة مطلبها، هل هذا المطلب هو ضروري وملح في الوقت الحاضر؟ أم لا.

في هذا الصدد يجب التنويه مبدئيا بأنه كان يكفي في مثل هذا التظاهر، أن تضاف إلى هذا الشعار المرفوع، عبارات من نوع “لا لاستغلال الغاز الصخري الآن”، فثمة الغاز التقليدي الأقل كلفة، والأضعف تلويثا للبيئة. فتكفي مثل هذه العبارات ليصبح الشعار صحيحا، وفي غير صالح البرجوازية الليبرالية، ولا يحطب في حبل الإمبريالية وشركاتها متعددة الجنسيات، لكن مستوى الوعي في صفوف الجماهير المتظاهرة غير كاف لرفع مثل هذه الشعارات في صيغتها المعدلة، وبالتالي تقع هذه الجماهير في فخ التلهية الذي تنصبه البرجوازية الليبرالية لدفع هذه الأخيرة إلى القيام بعمل مناقض لمصلحتها الحقيقية.

ويبقى دوما طرح السؤال ما هو الحل؟ هل تبقى المظاهرات مستمرة أم ينبغي أن تتوقف أو تتعدل شعاراتها، أو تتجه إلى مشاكل ملحة ومستعجلة، كالشغل والتنمية الحقيقية ورفع ودعم القدرة الشرائية والسكن والصحة إلى آخره.

من جهة أخرى، يشير الوضع الراهن إلى أنه لم تحن بعد ضرورة طرح هذا المشكل (مشكل استغلال الغاز الصخري). فبالرغم من ان الغاز الصخري له أهميته البالغة بنسبة للجماهير وبالنسبة للتنمية، إلا أنه لا يشكل مطلبا حاسما بالنسبة للعمال والفئات الشعبية في الوقت الحاضر، والأنسب في مثل هذه الحالة ينبغي العمل على إفشال رهانات الإمبريالية وشركاتها متعددة الجنسيات والبرجوازية، التي لجأت إلى الصمت، حيث تبدو البرجوازية في أعين المراقبين الدوليين أنها تؤمن بالقيم الديمقراطية، حيث تقف مع الجماهير عند لجوئها إلى التظاهر، وفي نفس الوقت يعني اندفاعها إلى التظاهر عدم إدراكها الخطأ الذي وقعت فيه أو تورطت فيه، ومن ثم فإن قبولها باستغلال الغاز الصخري على عكس ما كانت تطالب به يعتبر نكسة. وفي التحليل الأخير تنتصر في هذه المعركة الإمبريالية وشركاتها متعددة الجنسيات، لأنها هي المستفيدة الأولى من استغلال الغاز الصخري، كما تستفيد البرجوازية الليبرالية التي تأتمر بأوامرها، وحتى البرجوازية الكمبرادورية الحاكمة، التي لجأت أخيرا إلى القمع، تستفيد هي أيضا (يمكن في هذا الصدد إجراء مقارنة بين موقف السلطة الحاكمة تجاه متظاهرين ينادون بعدم استغلال الغاز الصخري، وبين موقفها تجاه عمال رويبة منذ مدة، حيث بمجرد تأكد السلطة بأن العمال ينوون القيام بإضراب لتلبية مطالبهم، سارعت هذه السلطة لمواجهة هذه المظاهرات بأساليب قمعية وحشية).

لقد تحدت السلطة التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية التي أخطأت الطريق، دون توافر شرح موضوعي للقضية، اللهم إلا توجيه الاتهام لها وللمعارضة التي تقود هذه المظاهرات بأنها تسعى إلى إحداث الفتنة في صفوف المتظاهرين والتي تمكن القوى الإمبريالية ومؤسساتها الدولية من التدخل في شؤوننا الداخلية. إذن كان ينحصر رد فعل السلطة أولا في عدم المبالاة بهذا التظاهر، ثم عندما أحست بأن الجماهير تبدي تعاطفها تجاه هذه المظاهرات وتنظم يوميا إلى التظاهر، بغض النظر عما إذا كانت تخدم مصلحتها أم لا، لجأت كعادتها إلى القمع الذي بدأ منذ ثلاثة أيام وبلغ ذروته اليوم (03 مارس 2015). ومن جهة أخرى تجرأ رئيس الدولة في معارضته الميكانيكية بتلهية المتظاهرين بعبارة أن الغاز الصخري هبة من الله، وبالتالي لا ينبغي رفض استغلال هذه الهبة. وهو كعادته يستخدم مثل هذه العبارات الدينية، وقد استخدمها في فياضانات باب الوادي منذ سنوات، حيث قبع في منزله لمدة أسبوع ثم خرج على الناس قائلا: هذا قضاء وقدر، من كان يؤمن بالقضاء والقدر فهو منا، ومن لا يؤمن به فلا هو منا ولا نحن منه. وكأن الجماهير تجهل معنى القضاء والقدر، وتنخدع لتلهيته ولا تميز بين ماله علاقة بالمشكل وما ليس له علاقة بهذا المشكل. واليوم يجري التصريح بعد أيام بأن الغاز الصخري هبة من الله- كما قال رئيس الدولة- ينبغي التشبث بها ولا نتركها تضيع. وهو ما صرح به مسؤولون آخرون بما في ذلك الوزير الأول.

ولكي يتم تفويت الفرصة على البرجوازية- سواء تلك البرجوازية التي في السلطة، أو المعارضة الليبرالية – بالشعور بالانتصار في هذه المواجهة، ينبغي على الفئات الشعبية، أن تعمل على إيقاف هذا التظاهر أو تعديله، مع الشرح والتوضيح لمغزى التوقف أو التعديل، وهو أن إجراء هذا التعديل لا يعني التسليم للسلطات القائمة، بأن المواطنين ليس من حقهم رفع شعار المطالبة بإيقاف استغلال الغاز الصخري، فهو مطلب شرعي، إذ يجب التمسك بموقف أنه من الضروري إيقاف الدراسة المسبوقة لاستغلال الغاز الصخري، وفي نفس الوقت يجب التنبيه بأن هناك مطالب أكثر إلحاحا، ولا ينبغي السماح للسلطة الكمبرادورية الحاكمة ولا للمعارضة الليبرالية أن تستغل هذه الثغرة لبيان أن إيقاف التظاهر أو عدم الاستمرار فيه، هو بمثابة اقتناع الناس بأن السلطة على صواب.

إنه لمن الضروري أن تستخلص الحركة الجماهيرية الدروس من نشاطاتها ومن نضالاتها، وأن تعدلها وتصححها انطلاقا من الوضع الملموس. وهذا التصرف يعتبر انتصارا للجماهير الكادحة وليس فشلا، هو انتصار على البرجوازية لأن الإضراب لم يعد مناقضا لمصالحها. وهو انتصار على العفوية، لأن هذه الجماهير عرفت كيف تستغل أخطاءها ونقائصها، وتقوم بالتعديل والتصحيح الذي يلبي حاجاتها. وفوق هذا وذاك فإن الدرس الذي يجب أن تستخلصه هو أن العفوية لا تؤدي سوى إلى الفشل.

.

محمد علي

مارس 2015 4


Navigation

Articles de la rubrique

  • استغلال الغاز الصخري لا يشكل أولوية في الوقت الحاضر ينبغي أن تتوجه نشاطات الجماهير إلى المطالب الأكثر أهمية