استعادة حلم أردوغان “السلطاني” على أنقاض حلم شباب “سروج”؟

الخميس 13 آب (أغسطس) 2015

ماري ناصيف الدبس
عندما أعلن داوود أوغلو، رئيس الوزراء التركي أن كل الدلائل تشير إلى مسؤولية تنظيم “داعش” عن التفجير الإرهابي داخل اجتماع شبابي كردي في مدينة سروج، لم تكن فرق الإنقاذ قد انتهت بعد من إحصاء الشهداء والجرحى ومن تقدير الخسائر المادّية الناجمة عن هذا الانفجار. أما رجب طيب أردوغان، الذي كان متواجدا يومها في شمال جزيرة قبرص، فلم يحدد هوية المسؤولين عن تفجير سروج، بل اكتفى بإعلان الحداد على الضحايا و“إدانة الإرهاب بغضّ النظر عن مصدره”، مرفقا إعلانه هذا بالدعوة إلى “حملة دولية” لمكافحته.
يومها كثرت التكهنات – ولا زالت – عن السبب في هذا التناقض الظاهر، بين التصريحين، ولماذا استعجل داوود أوغلو مسألة تحديد مسؤولية تنظيم “داعش” (الذي لم يتبن التفجير الإرهابي)، في وقت كان موقف أردوغان أكثر شمولية. غير أن المتتبع للخلافات السياسية داخل الحزب الحاكم في تركيا وكذلك للصراع التركي الكردي، عموما، قرأ بوضوح ما رمى إليه أردوغان من خلال حديثه، ألا وهو استعادة زمام المبادرة كاملة داخل حزب “العدالة والتنمية” بعد أن فتح رئيس وزرائه بعض قنوات التنسيق مع قوى يمينية مناؤئة لأردوغان، وفي طليعتها “حزب الشعب الجمهوري” الذي اشترط، بحسب مصادر تركية عليمة، وضع حد للدور الأردوغاني في السياستين الخارجية والداخلية... وصولا إلى الهمس بضرورة إسقاط زعامته لحزب “العدالة والتنمية” في المؤتمر الذي أعلن عن موعد انعقاده في شهر أيلول المقبل.
إلا أن هذا الجانب، المتعلّق بأزمة القيادة التي نشأت قبل الانتخابات النيابية الأخيرة والتي ازدادت حدتها بفعل نتائجها، لا يعطي - على أهميته - الصورة الكاملة لمرامي أردوغان. فبالإضافة إلى محاولة تحجيم دور من يظن أن بإمكانه منافسته على زعامة الحزب، سعى أردوغان إلى إسقاط عدّة عصافير بحجر واحد. وأهمّ تلك العصافير تخفيف الضغط الأميركي عن كاهله والخلاص من ملاحقة واشنطن له للدخول في الائتلاف الدولي الإقليمي ضد داعش. ذلك أن أردوغان سعى منذ البداية، وبالاستناد إلى أهمية ومفصلية الدور التركي في أية حرب برية ضد “داعش”، إلى ربط موافقته على دخول الائتلاف بثلاث مسائل وضمن وجهة أن لا شروط مسبقة تفرض عليه.
المسألة الأولى وتتلخّص في موافقة الإدارة الأميركية على أولوياته، إن لجهة إسقاط نظام الرئيس السوري بشّار الأسد، أم لجهة الموافقة على مساعدته في حربه ضد حزب العمال الكردستاني، أم (وهنا بيت القصيد) لجة إقامة منطقة “آمنة” داخل الحدود السورية تقطع التواصل بين عين العرب (كوباني) والمناطق السورية الشمالية الشرقية، ولا تمس بمناطق السيطرة الداعشية البترولية على وجه الخصوص.
ومما عزز هذا الموقف المثلث الاتجاهات أكثر فأكثر التطورات الحاصلة في المنطقة منذ الانتصار الذي حققته “وحدات الحماية الكردية”، ليس فقط في معركة كوباني - عين العرب، بل كذلك في ما تلاها من معارك في التل الأبيض والترابط الذي نشأ بين المناطق ذات الأغلبية الكردية في سوريا وتركيا. هذا، إضافة إلى المتغيرات المهمة التي نجمت عن الدور الجديد لإيران في المعادلة الشرق أوسطية، والى الدور العسكري (المستحدث) الذي أنيط بالسعودية في اليمن، وإلى التوافقات التي بدأت تظهر معالمها في مشروع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحت شعار جمع المتصارعين للانتصار في المعركة المزمع خوضها ضد الإرهاب. فكان لا بد من أن يحدد أردوغان موقعه في المعادلة، مستفيدا من الموقع التركي العام ضمنها. وقد كان له بعض ما أراد، مباشرة بعد التفجير المجرم في سروج.
فلقد استطاع أن يأخذ موافقة واشنطن العلنية (المترافقة مع سكوت الأطراف الإقليمية الأساسية الأخرى) على اعتبار “حزب العمّال الكردستاني” حزبا إرهابيا، تماما مثل “داعش”، وأن يعمد رئيس إقليم كردستان العراق إلى دعوة مقاتلي هذا الحزب للانسحاب من منطقته، في وقت ركّزت فيه القوات الأمنية التركية على قصف القرى الكردية وعلى اعتقال المئات من الكادرات التابعة له، وعلى التهديد بحل “حزب الشعوب الديمقراطية” بحجّة دعمه للإرهاب وتزويد حزب العمال الكردستاني بالأسلحة، على حدّ قول وزير الداخلية مولود جاويش أوغلو المترافق مع حملة إعلامية منظّمة من قبل وسائل الإعلام الموالية للنظام.
وتجدر الإشارة إلى أن السعي لضرب حزب العمّال الكردستاني، عدا عن كونه يرضي المتشددين الذي سعى أردوغان ولا زال إلى احتوائهم، ومنهم “حزب الحركة القومية” الذي يعتبر أن أي اعتراف بالقضية الكردية إنما هو مقدمة لتفتيت تركيا، فهو يشكّل مدخلا لضرب المد اليساري الجديد في تركيا، والذي تمثّل في التحركات السياسية العارمة التي اجتاحت، خلال شهر أيّار من العام 2013، اسطنبول وأنقرة وأنطاليا وأزمير، بل والمدن التركية عموما، وأدّت إلى تجذير الحركة الشعبية والنقابية، على الرغم من القمع الذي ووجهت به من قبل النظام والذي أدّى إلى إصابة المئات والى اعتقال أكثر من ألف شخص.
كما أن ضرب حزب العمّال الكردستاني، بعد الهزيمة التي ألحقها مؤخّرا، هو وحلفاؤه في “حزب الشعوب الديمقراطية”، بحزب “العدالة والتنمية”، سيؤدي بالطبع إلى تحجيم دور الأكراد في الانتخابات البرلمانية المبكرة التي يطمح لها للخروج من المازق. ذلك أن ملاحقة قيادات وكادرات حزب العمّال الكردستاني والزج بهم في السجون سيؤدي حتما إلى تخفيض النسبة التي حصل عليها “حزب الشعوب الديمقراطي” إلى ما دون العشرة بالمائة المطلوبة. وهكذا، يستعيد الرئيس التركي أكثريته المفقودة، ومعها حلمه الدفين في تغيير الدستور باتجاه فرض النظام الرئاسي الذي يعتقد أنه سيفتح أمامه أبواب استعادة أمجاد السلطنة العثمانية، تدريجيا، بالاستناد إلى العامل المذهبي الديني الذي قال عنه مفاخرا، بعيد الانتخابات النيابية عام 2011، إنه الأساس لتشكيل نظام سيكون “مصدر إلهام للعديد من الأنظمة، لأننا برهنّا بأن الإسلام والديمقراطية يمكن لهما التعايش معا”.
صحيح أن أردوغان راهن، يومها، على الانتصارات التي كانت جماعة “الإخوان المسلمين” قد حققتها في كل من مصر وتونس اللتين استقبلتاه على أنه القائد الفاتح لمرحلة جديدة من تاريخ الشرق الأوسط، وصحيح أيضا أن هذه الانتصارات قد ولّت وان هزيمة “الإخوان” في مصر كانت ساحقة، إلا أن مشروع الحدّ الأدنى، أي استكمال تغيير معالم تركيا باتجاه نقلها من الموقع العلماني إلى التعصّب، لا يزال واردا؛ بل إنه لم يتوقف قط، خاصة بعد ضرب دفاعات الجيش في هذا المجال، إن من خلال العمل على التخفيف من دوره في حماية النظام العلماني، أم من خلال إدخال مجموعات لا يستهان بها من الضباط ذوي الميول “الإخوانية” إليه.
في العام 2013، كان السؤال: “أردوغان قائد لعبة”أنا السلطان“، هل سيتمكّن من تعديل الدستور لصالحه؟”. واليوم يطرح السؤال نفسه، إنما بصيغة جديدة: هل سيتمكّن أردوغان من استعادة حلمه “السلطاني” بالاستفادة من جريمة سروج الإرهابية؟ ومن هم وراء تلك الجريمة التي أعادت تركيا مائة سنة، تقريبا، إلى الوراء، إلى “اتفاقية سيفر” (Sèvres) التي أقرّت بإقامة دولة كردية وما تبع هذا الإقرار من مجازر استمرّت حتى وفاة أتاتورك في العام 1938؟
“أنا سعيد لأني تركي”، شعار استخدمه أتاتورك للدعاية لسياساته العنفية ضد الأقليات العرقية. هل سيستخدمه أردوغان في معركته الجديدة ضد الأكراد؟
عن موقع الحزب الشيوعي اللبناني
10 أوت 2015