إخفاق الثورة المضادة في العالم وبزوغ فجر الاشتراكية من جديد

الأربعاء 6 أيار (مايو) 2015
par  االجزائر الجمهورية

نجحت مؤقتا الثورة المضادة في الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية في أواخر القرن الماضي، وهي الثورة التي أدت إلى انهيار الاشتراكية وعودة الرأسمالية إلى هذه البلدان. ومع ذلك فقد بقيث الثورة الاشتراكية قائمة في وعي العمال والشعوب، على الرغم من أن الإيديولوجيين البرجوازيين قد شرعوا يعدونهم بنهاية الطغيان الاشتراكي وحلول “جنة” الرأسمالية، وعلى الرغم أيضا من أن الدعاية الرأسمالية والإمبريالية واصلت تنديدها بالاشتراكية وتحميلها كل الأضرار الفادحة الناجمة عن هذا الانهيار. ولم تقف القوى الإمبريالية والرأسمالية، وخاصة الإمبريالية الأمريكية، عند هذا الحد، بل قامت أيضا بدعاية رهيبة ضد الاشتراكية من خلال نشاطات كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، عرض جدار برلين في الذكرى الخامسة والعشرين لسقوطه، وتصويره على أنه كان رمزا “للاستبداد الاشتراكي”، وتحميل الجمهورية الديمقراطية الألمانية مسؤولية إنشائه، بينما كان جدار برلين في الحقيقة يرمز إلى انقسام العالم إلى نظامين اجتماعيين عدائيين ومتناقضين، حيث كان العالم، ممثلا بالغرب الرأسمالي الإمبريالي تحت قيادة الإمبريالية الأمريكية، والشرق الاشتراكي والبلدان المعادية للامبريالية في العالم الثالث بزعامة الاتحاد السوفيتي، يشهد بزوغ نظام جديد هو النظام الاشتراكي العالمي الوليد بعد الحرب العالمية الثانية.

ولم يجد الإمبرياليون أمام هذه الحقيقة في ذلك الوقت سوى أن يعملوا على حجب تهجماتهم واعتداءاتهم على مكاسب الاشتراكية الزاحفة في أوربا، ويحولوا أذهان الطبقة العاملة في ألمانيا وفي أوربا وفي جميع أنحاء العالم ، بأن ما يسمى بـ “جدار برلين” لم يكن سوى رمز للاستبداد الاشتراكي في مقابل الجنة الرأسمالية التي بشر بها منظرو الرأسمالية على غرار فوكو ياما وهنتنكتون وغيرهما من إيديولوجي الرأسمالية. لكن هذه الأكذوبة لم تدم طويلا، فقد فتحت أزمة الرأسمالية العالمية منذ 2009 أعين العمال على حقائق فظيعة لم تكن في الحسبان لجماهير غفيرة منهم.

لقد وفر النظام الاشتراكي القائم في ذلك الحين، السلم والعمل والاستقرار والأمان والعناية الصحية وغيرها من المكاسب الاجتماعية في هذه البلدان، ودافع عن حقوق العمال والعجزة والنساء وعن الشعوب الاشتراكية والتقدمية رغم التدمير الذي أصابها من جراء العدوان النازي الهتلري، بينما نشبت في البلدان الرأسمالية أزمة حادة بدأت في الولايات المتحدة، وامتدت إلى العالم الرأسمالي برمته على درجات متفاوتة. وأمام تهديدات البلدان الرأسمالية بالحرب الحرارية، اضطرت البلدان الاشتراكية إلى تأمين الدفاع عن نظامها الاجتماعي، بما في ذلك الدخول في أحلاف ومعاهدات على غرار معاهدة حلف فارسوفيا في عام 1955 بين الاتحاد السوفياتي ومنظومة البلدان الاشتراكية في شرق أوربا، ومعاهدات أخرى في بلدان اشتراكية وتقدمية في العالم الثالث. وكانت المعاهدات والأحلاف التي عقدها المعسكر الاشتراكي ذات طابع دفاعي، أي أنها كانت تستهدف الدفاع عن السيادة وعن النظام الاشتراكي الوليد وعن السلم والاستقرار، بينما كانت معاهدات البلدان الإمبريالية هجومية تستهدف التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب والقضاء على الاشتراكية وإحلال الرأسمالية محلها، بدليل أنه بعد الانتصار المؤقت للثورة المضادة في الاتحاد السوفياتي وبلدان أوربا الشرقية ظلت الرأسمالية تحتفظ بأحلافها على نحو حلف شمال الأطلسي، هذه المنظمة الإمبريالية التي ارتكبت جرائم فظيعة عبر تفكيك يوغوسلافيا وغزو ليبيا وإسقاط نظامها، واحتلال العراق وأفغانستان، وتهديد الشعوب بالتدخل والدمار والاحتلال والاستغلال.

لقد اتفق القادة الأمريكيون والبريطانيون والسوفيات في مفاوضات يالطا في عام 1945 على أن تبقى ألمانيا الهتلرية المهزومة منزوعة السلاح وحيادية بين الحلفاء، الذين أصبحوا يشكلون معسكرين متناقضين في الحقيقة رغم تحالفهما الظرفي ضد الفاشية والنازية في الحرب العالمية الثانية، لكن الغرب الإمبريالي سخر من هذا الالتزام أيما سخرية، ونقض العهود التي أبرمها مع الاتحاد السوفياتي بهذا الشأن، وبمقتضى فسخ هذا الالتزام، أنشأت واشنطن الحلف العسكري المتمثل في منظمة “حلف شمال الأطلسي” المعادي للسوفييت والقوى التقدمية في عام 1949، وأعادت تسليح ألمانيا الغربية التي تمثل الأراضي التي كانت من نصيب الإمبرياليين الغربيين إثر نهاية الحرب، وضمتها بعد ذلك إلى الحلف الأطلسي، وأدى ذلك بالسوفيات والشيوعيين الألمان إلى تأسيس جمهورية ألمانيا الديمقراطية ذات التوجه الاشتراكي في الجزء الشرقي من ألمانيا عام 1949 وتشكيل حلف فارسوفيا في 14 ماي 1955.

وفي الوقت الذي تتحطم القوى المنتجة تماما في البلدان الأوربية الغربية والشرقية من جراء العدوان الهتلري، نجد أن هذا الدمار لم يطل الولايات المتحدة، بل مسّها مسا خفيفاً، ولم تصب قواها الإنتاجية بأي ضرر، وخرجت من هذه الحرب سليمة قوية تشكل أقوى اقتصاد في العالم، ولذلك عملت على ضخ مليارات الدولارات من أجل إعادة بناء ما دمرته الحرب في أوربا الغربية في الظاهر، وحماية بلدانها من المد الاشتراكي في الحقيقة، وذلك من خلال تطبيق المخطط المعروف بمخطط “ماريشال” سيء السمعة. أما الاتحاد السوفييتي الذي فقد ما بين عشرين وثلاثين مليون إنسان، كما فقد الكثير من صناعته نتيجة الغزو الهتلري لأراضيه، فقد تمكن من تقديم القليل من الدعم المادي لأوربا الشرقية، والقليل من الدعم أيضا لبلدان العالم الثالث.

ومع ذلك، فقد لعب المعسكر الاشتراكي الذي تكون بعد الحرب العالمية الثانية دورا كبيرا في حماية جهود وإنجازات العمال في العديد من البلدان، حيث وفر لهم الكثير من المكاسب، مثل الشغل والتقاعد والرعاية الصحية المجانية، كما أمنت البلدان الاشتراكية حقوق العمال الأخرى، وكذا حقوق النساء والأطفال والعجزة. وقدمت البلدان الاشتراكية أيضا دعما ملموسا للبلدان المستعمرة والتابعة بغية القضاء على الاستعمار، كما قامت بتطهير جهاز الدولة والحياة السياسية من الفاشيين والنازيين.

وفي إطار الصراع بين المعسكرين المتناقضين أقامت الجمهورية الديمقراطية الألمانية في أوت1961 جدار برلين، بهدف إبطال التسلل باتجاه الشرق، وكذلك لوقف نزيف الشغيلة الذين كانوا متأثرين بالدعاية الغربية الإمبريالية باتجاه الغرب وألمانيا الغربية.

وباختصار، لم يكن جدار برلين سوى سلاح دفاعي في الحرب الطبقية الدولية بين نظامين اجتماعيين طبقيين متناقضين. وكان الجدارحتى عام 1989 يشكل عاملاً قويا في إسعاف جمهورية ألمانيا الديمقراطية على تقديم المعونة التقنية للنضال التحرري للشعوب على غرار الشعب الفيتنامي، وشعب جنوب إفريقيا والشعوب العربية وأنظمتها التحررية وغير ذلك من الشعوب. وعملت هذه الجمهورية الفتية على حماية حقوق العمال في جزأي ألمانيا، وكذلك قدمت الدعم إلى بلدان التوجه الاشتراكي والبلدان التقدمية في العالم الثالث.

أما بصدد سقوط الجدار فقد كان يرمز إلى قرار قيادة ميخائيل غورباتشوف الذي اعتلى منصب الأمين العالم للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي بعدم الدفاع عن الاشتراكية. وهذا القرار قد شكل خطوة مبكرة في الثورة المضادة ضد الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى منذ 25 عاماً.

أقرت وسائل الإعلام الإمبريالية والتابعة لها، بقدر غير قليل من التحيز، الأداء غير الرشيد للبلدان الاشتراكية من حيث اقتصادياتها، لكنها لم تأخذ بالحسبان الفارق في النمو بين البلدان الاشتراكية والبلدان الرأسمالية، كما لم تقرأ الحساب للفقر المدقع، الذي استفحل من جديد، والإجرامية الهائجة والاستغلال الجنسي التي انتشرت في البلدان الأخيرة.

لقد اشتهرت ألمانيا ما بعد الحرب، بأنها البلد الذي تميز بأرفع الأجور للعمال في أوربا. والآن ليس الألمان الشرقيون وحدهم الذين أصبحت وضعيتهم أسوأ وأجورهم أضعف، بل انخفضت الأجور في ألمانيا كلها، في حين تآكلت البرامج الاجتماعية فيها وجرى تفكيكها. ومن جهة أخرى أضحت ألمانيا الموحدة أكثر تدخلا في شؤون الشعوب، فقبل عام 1989 ظل محظورا على الجيش الإمبريالي الألماني الغربي العمل خارج ألمانيا، ولكن بعد 1989 قصفت ألمانيا الإمبريالية الموحدة شعوب يوغوسلافيا وأفغانستان وهددت أوكرانيا بالتدخل.

واستنادا إلى العرض الذي قدمته واشنطن عن جدار برلين خلال الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لسقوطه، يمكن الاستخلاص إلى نتيجة وهي: أن طوفان الدعاية الإمبريالية اليوم قد تحجب هذه الحقائق، ولكنها لا تستطيع محوها من الوجود.

لقد أتينا بهذا الحديث عن الجدار كمثال، على الرغم من أنه قد يبدو هذا الحديث بعيدا عن الموضوع، ولكن إمعان النظر فيه يكشف عن أنه يأتي في الصميم، فعلى الرغم من الكوارث التي حلت ببلدان المنظومة الاشتراكية في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، نتيجة لأسباب داخلية وخارجية، فإن العودة إلى أحضان الرأسمالية في هذه البلدان لم يؤد إلى تحسين أوضاعها المادية والمعنوية مثلما كان يروج لذلك منظرو الرأسمالية، بل سرعان ما وقعت هذه البلدان الرئيسية في أزمة عميقة لم تخرج منها حتى الآن، وقد تعصف بها عصفا ماحقا إذا كان ميزان القوى في غير صالحها. ومهما يكن من أمر، فقد دللت هذه الأزمة الطاحنة في البلدان الإمبريالية الرئيسية أن الرأسمالية لا يمكن أن تقدم حلولا حقيقية لمشاكل البشرية، وأن التاريخ الملموس قد أدانها، كما أدانتها الطبيعة المتغيرة للعالم منذ نشوئها، وخاصة منذ مطلع الألفية الثالثة.

صحيح أن المباراة بين النظامين الاجتماعيين المتناقضين في القرن الماضي قد أدت إلى انهيار الاشتراكية لأسباب داخلية وخارجية لا مجال للتعرض لها الآن، لكن ظروف العالم بعد هذه الكارثة المدوية، لم تتحسن على الإطلاق، بل ازدادت تدهورا وتفاقما. فقد ازدادت البطالة انتشارا بين العمال والأجراء، وكثر العاطلون عن العمل بأعداد لا حصر لها، وتفاقم البؤس الاجتماعي أكثر من ذي قبل، وانتهت “الحرب الباردة” إلى حروب ساخنة عدوانية حاليا، ولم يتحقق السلم في ربوع العالم، كما ادعى زعماء الرأسمالية والإمبريالية. وأكثر من ذلك أن الوضعية السائدة حاليا قد تفاقمت، وقدمت الحجة على أن البديل الحقيقي للرأسمالية، التي ستنهار، يكمن في الاشتراكية، التي ستقضي على كل الشرور والآثام التي تسببت فيها الرأسمالية. وإذا كانت التجربة الأولى للاشتراكية في القرن العشرين قد أخفقت، فإن أمامها صولات وجولات، وستنتهي الصراعات بين العمال وقوى التقدم من جهة، وبين البرجوازية والرأسمالية من جهة أخرى بانتصار الاشتراكية، التي تعد مقدمة حتمية لمجتمع خال من الطبقات ومن القهر، وستقام مملكة الحرية كبديل عن مملكة الضرورة، كما نوه بذلك ماركس وأنجلز ولينين وغيرهم من قادة الاشتراكية والشيوعية في العالم، لأنه تبين أمام الفشل الذريع للرأسمالية في تقديم بديل حقيقي لقضايا العالم، أنه إما الاشتراكية وإما العودة للبربرية. وقد أدركت الطبقة العاملة وشعوب العالم أنها لا يمكن أن تعود إلى البربرية. فعجلة التاريخ لا يمكن أن تعود إلى الوراء، وسوف تتجه إلى البديل المستقبلي والحتمي، وهو الاشتراكية.

.

محمد علي

3 فيفري 2015