“أزمة اللاجئين” أزمة مفتعلة

السبت 26 أيلول (سبتمبر) 2015

في الوقت الذي تثير فيه وسائل الإعلام الأوروبية المشاعر بعرض صور لطفل سوري غارق والإبلاغ عن عرض حشود لاجئين سائرين على الأقدام، يبرز تيري ميسان صورا مصطنعة. وعلى الرغم من أن هذه الصور تخدم مصالح زعماء أرباب العمل الألمان: أولريش غريللو ومنظمة حلف شمال الأطلسي، إلا أنها في الواقع تخدم الظاهرة كلها، وتؤدي بالأوروبيين إلى تعليقات غير لائقة.

لقد تم نشر هذه الصورة على نطاق واسع في وسائل الإعلام الموالية للحلف الأطلسي، وكانت الضحية، هي عبارة عن طفل كردي سوري، اسمه عليان كردي، يفترض أن يكون قد لفظته أمواج البحر، غير أن جسده العمودي يحتل فضاءات في حيز يؤكد فكرة كونه مشهدا مستلا. والواقع أن تواجده في الجزء الأيمن من الصورة يجعله مختلفا عن صورة السباحين.
لكن هناك موجة من المشاعر طغت بشكل فظ على أولئك الناس الذين يعيشون في فضاء حلف شمال الأطلسي، حيث أدركوا بكل وعي مأساة لاجئين في البحر المتوسط؛ وهي المأساة التي استمرت منذ سنوات بعيدة عن عدم وعيهم الدائم.
هذا التحول الذي يتمثل في نشر صورة تظهر طفلا غارقا، يمثل رد فعل فاشل على الشاطئ الآخر- التركي-، بغض النظر عن أنها غليظة من حيث التركيب: حيث يرفض البحر هيئات موازية لموجاته بشكل عمودي، ومهما كانت مستنسخة على الفور في الصحف كلها تقريبا في منطقة حلف شمال الأطلسي في أقل من يومين. لقد جرى الزعم بأن الصحافة الغربية هي صحافة حرة وتعددية".
وبنفس الوتيرة، ضاعفت التليفزيونات التحقيقات الصحفية التي تمثل نزوح آلاف السوريين، سيرا على الأقدام في اتجاه البلقان. وتم إبراز اهتمام خاص بعبور هؤلاء اللاجئين نحو المجر، هذا الأخير الذي بنى لأول مرة حاجزا من الأسلاك الشائكة غير ضرورية، ثم أصدر تباعا قرارات متضاربة تصور حشودا لاجئة سائرة على طول خطوط السكك الحديدية والقطارات المهاجمة.
ما هي المشكلة الحقيقية التي يجري توظيفها، وما هو الهدف منها؟
لا شك أن قوة التأثير، التي أثارت المواطنين، قد “أدهشت” القادة الأوربيين، كما أحزنتهم القنابل المسيلة للدموع حول كيفية جلب المساعدة لهؤلاء اللاجئين. فانطونيو جوتيريس، الرئيس السابق للاشتراكية الدولية والمفوض السامي الحالي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين يدعو إلى النقاش، بالدعوة إلى “المشاركة الإجبارية لكافة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ووفقا للتقديرات الأولية، فإن الدول الأوروبية تحتاج احتمالا لزيادة فرص إعادة توطين البلاجئين بحوالي مئتي آلف شخص”، كما يقول.
اللاجئون في البحر الأبيض المتوسط
بالنسبة للاجئين يمكن القول إنه منذ “الربيع العربي” في عام 2011، ازداد عدد الناس الذين يحاولون عبور البحر المتوسط ودخول الاتحاد الأوروبي بشكل كبير. وقد ازداد أكثر من الضعف فيما بعد، حيث وصل العدد في عام 2014 إلى حوالي 000 626. وباختصار يمكن القول بأن تدفق المهاجرين إلى الاتحاد الأوروبي يعد بمئات الآلاف.
المصدر: أوروستات
ومع ذلك، وخلافا للاعتقاد الشائع، فإن السؤال هنا لا يتعلق بموجة جديدة من المهاجرين يمكن السيطرة عليها. ففي عام 1992عندما كان الاتحاد لا يضم سوى 15 دولة من بين 28 عضوا حاليا، ومع ذلك تلقت هذه الدول أكثر من 672000 بالنسبة لـ 380 مليون نسمة في ذلك الوقت. وبالتالي هناك هامش كبير لعدد المهاجرين بين الحالة الأولى والحالة الثانية، قبل أن يسعى المهاجرون إلى زعزعة استقرار الاقتصاد الأوروبي بملايينه الـ 508 مليون نسمة حاليا[1].
ومن جهة أخرى فإن أكثر من ثلثي هؤلاء المهاجرون رجالا. ووفقا لإحصاءاتهم ، فإن أكثر من نصفهم يتراوح بين 18 و 34 عاما. وبشكل عام، فإنهم ليسوا من مهاجري العائلات.
وعلى عكس الفكرة السائدة حاليا في وسائل الإعلام، فإن أقل من ثلث عدد اللاجئين الفارين من مناطق الحرب يوجد من بينهم حوالي 20 %من السوريين و7 % من الأفغان و 3% من العراقيين.
والثلثان الباقيان ليسا من البلدان التي توجد في حالة حرب، بل هم أساسا من المهاجرين الذين يهاجرون لأسباب اقتصادية.
وبعبارة أخرى، فإن ظاهرة الهجرة لاترتبط هامشيا سوى بـ “الربيع العربي” وبالحروب، حيث يغادر الفقراء يلدانهم ويجربون حظهم في البلدان الغنية تحت نظام ما بعد الاستعمار والعولمة. وهذه الظاهرة، التي انخفضت في الفترة من 1992- 2006، استأنفت وتتزايد تدريجيا. وعلى أية حال، فهي لا تمثل حاليا سوى 12% سنويا من سكان الاتحاد الأوروبي، أو هي على الأصح، لا تشكل تهديدا، على المدى القصير، على الاتحاد الأوربي.
ويريد رئيس اتحاد الصناعة الألمانية، أولريش غاريللو، الموافقة على 000 800 عامل أجنبي إضافي في ألمانيا، بينما الاتفاقيات الأوروبية تمنع ذلك على الرأي العام المعادي، وتزعم أنهم يشاركون في تصاعد “أزمة اللاجئين” بغية تغيير الأنظمة.
هل للمهاجرين مشكلة؟
وعلى الرغم من أن هذا التدفق المتعلق بالمهاجرين يثير قلق السكان الأوروبيين،إلا أن المشهور الذي يتم الاهتمام به فقط هو القلق الذي يثيره أرباب العمل الألمان.
ففي ديسمبر 2014، صرح “زعيم أرباب العمل الألمان” أولريش غريللو لـ DPA بان تكتما خادعا لمصالحهم يكمن وراء مشاعر طيبة: “ولطالما كنا بلدا مستقبلا للهجرة، ويجب أن نظل كذلك.” “ونتيجة لبلد مزدهر اقتصاديا، وأيضا بسبب المحبة المسيحية المجاورة، ينبغي أن يسمح بلدنا بدخول المزيد من اللاجئين”. وبعبارة أخرى: “أنا واضح للغاية فيما يخص نمونا الديمغرافي، حيث سنضمن النمو حتى للنازيين الجدد والعنصريين الذين يتجمعون في دريسدن وأماكن أخرى.”وبالإضافة إلى ذلك: “وبسبب نمونا الديموغرافي، فإننا سنضمن النمو والازدهار وفي نفس الوقت نضمن تدفق الهجرة” [2].
ومن الواضح أن هذا الخطاب يشكل القمة في الخداع، إذ هو يحتوي على نفس الحجج التي كان يرددها أرباب العمل الفرنسيين في سنوات السبعينات من القرن الماضي، وأكثر من ذلك، يدرك اليوم السكان الأوروبيون بأنهم متعلمون ومهرة، في حين أن الغالبية العظمى من المهاجرين ليسوا كذلك، ويمكن بسهولة أن نشغلهم في بعض الوظائف الهامشية. ولكن، شيئا فشيئا أثار- وصول قوى عاملة غير مؤهلة وموافقة على ظروف معيشية أقل من تلك التي يحظى بها الأوروبيون- توترات في سوق العمل.
وهكذا اندفع أرباب العمل الفرنسيين إلى إعادة ائتلاف العائلات. وكان قانون عام 1976، الذي فسره مجلس الدولة في عام 1977يخدم هذا الائتلاف، كما أن السوابق القضائية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد هزت إلى حد كبير استقرار المجتمع. ويمكن ملاحظة نفس الظاهرة في ألمانيا منذ اعتماد نفس الأحكام بتسجيلها في عام 2007، في الائتلاف العائلي في قانون الهجرة.
وخلافا للاعتقاد الشائع، فإن المهاجرين لأسباب اقتصادية لا يطرحون مشكلة الهوية في أوروبا، ولكنهم يفتقرون إلى بلدانهم الأصلية. وبالعكس، هم يطرحون مشكلة اجتماعية في ألمانيا، حيث يرجع ذلك إلى سياسة معينة ينشطها أولريش غريللو، والقائلة بأن الطبقة العاملة هي بالفعل ضحية الاستغلال الفظ.
وفي أي مكان آخر، لا توجد هجرات لأسباب اقتصادية، ولكن للم شمل الأسر التي تطرح مشكلة.
ما يجعل من الصورة الحالية “أزمة لاجئين”؟.
منذ بداية السنة، انخفض الانتقال من تركيا إلى المجر- الذي كان يكلف 10،000 دولار- إلى حوالي 2000 دولار للشخص الواحد، في حين أن بعض المهربين كانوا مهربي رقيق، بيد أن العديد منهم كانوا يبحثون عن مجرد النظر في أن يكونوا في خدمة الناس الذين هم في ضائقة اقتصادية. وفي كل الحالات، لايهم من جانبهم من الذي يدفع الفرق بين السعر السابق والسعر اللاحق؟.
وعلاوة على ذلك، فإنه إذا كانت الحرب، موجهة في البداية إلى سوريا، فإن قطر طبعت ووزعت على الجهاديين من تنظيم القاعدة جوازات سفر سورية مزورة حتى يتمكنوا من إقناع الصحفيين الأطلسيين بأنهم “متمردون” وليسو مرتزقة أجانب، كما توزع جوازات سفر مزورة أجنبية غير سورية. إن المهاجرين الذين يقبلون معيار أن هذه الوثائق مزورة، من شأنهم تسهيل استقبالهم في الاتحاد الأوروبي. وبالفعل فإن الدول الأعضاء في الاتحاد قد أغلقت سفاراتها في سوريا باستثناء جمهوريتي التشيك ورومانيا، حيث انه من غير الممكن أن يتحققوا من صحة جواز سفرهم.
وقبل ستة أشهر، وكنت سأضمن اندهاش قادة الاتحاد الذين لم يدركوا رغبة الولايات المتحدة في إضعاف بلادهم، بما في ذلك من خلال “أزمة اللاجئين،” [ ]، أكدت المجلة المصورة “آنفو ديريكت في الشهر الماضي أنه وفقا لأجهزة المخابرات النمساوية، فقد تم تنظيم مرور لاجئين سوريين إلى أوروبا من قبل الولايات المتحدة”. [4].
ولا يزال هذا الادعاء خاضعا للمراجعة، لكنه يشكل حاليا خداعا قويا. وعلاوة على ذلك، فإن كل هذه الأحداث وكل هذه المناورات ليست خطيرة إذا ما وضعت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حدا لجمع الشمل الأسري. وتبقى المشكلة الحقيقية الوحيدة لا تكمن في إدخال مهاجرين، بل في مصير هؤلاء الذين يموتون في الطريق، وعبور البحر الأبيض المتوسط.إن الحقيقة الوحيدة هي أنها لا تجند أي زعيم أوروبي يتقلد مهمة الإرشاد الحقيقي.
ماذا يحضر حلف شمال الأطلسي؟
وفي الظرف الراهن، لم يتراجع حلف شمال الأطلسي، الذراع العسكري الدولي للولايات المتحدة عن مقاربته، ولكن وفقا لمهامه الجديدة، يحتفظ بالحق في التدخل عسكريا عندما تكون هناك هجرة كبيرة.
مع العلم بأن حلف شمال الأطلسي لديه القدرة على بث السموم " في جميع الدول الأعضاء يوميا، ومن المحتمل جدا أن تنظم الحملة الحالية على هذا الأساس.
إن استيعاب جميع اللاجئين المهاجرين الفارين من مناطق الحرب والإصرار على أصلهم السوري، يفترض الإشارة إلى أن الناتو يحضر لعمل له علاقة متينة بالحرب التي تشن سرا ضد سوريا.
بقلم تييري ميسان
7 سبتمبر 2015
شبكة فولتير دمشق(سوريا)
مصدر المقال: اضغط هنا
الترجمة إلى العربية: الجزائر الجمهورية
تنبيه للقراء:
نذكر قراءنا الكرام بأنه توجد بحوزتنا كل الوثائق التي أشارت إليها الجزائر الجمهوية في أرقام، وقد آثرنا اختزالها ربحا للوقت، ولعلمنا بأنهم يعرفون طرق البحث عن مصادر حينما يرغبون في ذلك. فمعذرة للقراء.
.